Pages

Monday, January 7, 2013

محمود درويش - تحد

شدّوا وثاقي
و امنعوا عني الدفاتر
و السجائر
و ضعوا التراب على فمي
فالشعر دم القلب..
ملح الخبز..
ماء العين
يكتب بالأظافر
و المحاجر
و الخناجر
سأقولها
في غرفة التوقيف
في الحمام
في الإسطبل..
تحت السوط ..
تحت القيد
في عنف السلاسل
مليون عصفور
على أغصان قلبي
يخلق اللحن المقاتل

محمود درويش - ناي

لا تقتلوني أيّها الرعاة
لا تعزفوا
خافوا عليّ الله
أستحلف الفحيح أن ينام
في ألحانكم ..
حتى أمرّ في سلام
زنجار! يا قاتلي زنجار
لا تنتظري
إني سمعت الناي
لا تنتظري
إني هجرت الدار!

محمود درويش - المناديل

كمقابر الشهداء صمتك
و الطريق إلى امتداد
ويداك... أذكر طائرين
يحوّمان على فؤادي
فدعي مخاص البرق
للأفق المعبّأ بالسواد
و توقّعي قبلا مدماة
و يوما دون زاد
و تعودي ما دمت لي
موتي ...و أحزان البعاد!
كفنّ مناديل الوداع
و خفق ريح في الرماد
ما لوّحت، إلاّ ودم سال
في أغوار واد
وبكى، لصوت ما، حنين
في شراع السندباد
ردّي، سألتك، شهقة المنديل
مزمارا ينادي..
فرحي بأن ألقاك وعدا
كان يكبر في بعادي
ما لي سوى عينيك، لا تبكي
على موت معاد
لا تستعيري من مناديلي
أناشيد الوداد
أرجوك! لفيها ضمادا
حول جرح في بلادي

محمود درويش - خائف من القمر

خبّئيني. أتى القمر
ليت مرآتنا حجر!
ألف سرّ سري
وصدرك عار
و عيون على الشجر
لا تغطّي كواكبا
ترشح الملح و الخدر
خبّئيني.. من القمر!
وجه أمسي مسافر
ويدانا على سفر
منزلي كان خندقا
لا أراجيح للقمر..
خبّئيني.. بوحدتي
و خذي المجد.. و السهر
و دعي لي مخدتي
أنت عندي
أم القمر؟!

محمود درويش - أبيات غزل

سألتك: هزّي بأجمل كف على الارض
غصن الزمان!
لتسقط أوراق ماض وحاضر
ويولد في لمحة توأمان:
ملاك..وشاعر!
ونعرف كيف يعود الرماد لهيبا
إذا اعترف العاشقان!
أتفاحتي! يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا، عجبا، كيف تشكو الرياح
بقائي لديك؟ و أنت
خلود النبيذ بصوتي
و طعم الأساطير و الأرض.. أنت !
لماذا يسافر نجم على برتقاله
و يشرب يشرب يشرب حتى الثماله
إذا كنت بين يديّ
تفتّت لحن، وصوت ابتهاله
لماذا أحبك؟
كيف تخر بروقي لديك ؟
و تتعب ريحي على شفتيك
فأعرف في لحظة
بأن الليلي مخدة
و أن القمر
جميل كطلعة وردة
و أني وسيم.. لأني لديك!
أتبقين فوق ذراعي حمامة
تغمّس منقارها في فمي؟
و كفّك فوق جبيني شامه
تخلّد وعد الهوى في دمي ؟
أتبقين فوق ذراعي حمامه
تجنّحي.. كي أطير
تهدهدني..كي أنام
و تجعل لا سمي نبض العبير
و تجعل بيتي برج حمام؟
أريدك عندي
خيالا يسير على قدمين
و صخر حقيقة
يطير بغمرة عين !

محمود درويش - شهيد الأغنية

نصبوا الصليب على الجدار
فكّوا السلاسل عن يدي.
و السوط مروحة.و دقات النعال
لحن يصفر: سيدي!
و يقول للموتى: حذار !
_يا أنت !
قال نباح وحش:
أعطيك دربك لو سجدت
أمام عرشي سجدتين !
و لثمت كفي، في حياء، مرتين
أو ..
تعتلي خشب الصليب
شهيدأغنية.. و شمس!
ما كنت أول حامل إكليل شوك
لأقول للسمراء: إبكي!
يا من أحبك، مثل إيماني ،
ولاسمك في فمي المغموس
بالعطش المعفر بالغبار
طعم النبيذ إذا تعتق في الجرار!
ما كنت أول حامل إكليل شوك
لأقول: إبكي!
فعسى صليبي صهوة،
و الشوك فوق جبيني المنقوش
بالدم و الندى
إكليل غار!
و عساي آخر من يقول:
أنا تشهيت الردى !

المتنبي - لهذا اليوم بعد غد أريج

لهذا اليَومِ بَعْدَ غَدٍ أرِيجُ     وَنَارٌ في العَدُوّ لهَا أجيجُ
تَبِيتُ بهَا الحَواضِنُ آمِنَاتٍ     وَتَسْلَمُ في مَسالِكِهَا الحَجيجُ
فلا زَالَت عُداتُكَ حَيْثُ كانَت     فَرائِسَ أيُّهَا الأسَدُ المَهيجُ
عَرَفْتُكَ والصّفُوفُ مُعَبّآتٌ     وَأنْتَ بغَيرِ سَيفِكَ لا تَعيجُ
وَوَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ مِن بَعيدٍ     إذا يَسْجُو فكَيفَ إذا يَمُوجُ
بأرضٍ تَهْلِكُ الأشْواطُ فيهَا     إذا مُلِئَت من الرّكْضِ الفُرُوجُ
تحاوِلُ نَفْسَ مَلْكِ الرّومِ فيهَا     فَتَفْدِيهِ رَعِيّتُهُ العُلُوجُ
أبِالغَمَراتِ تُوعِدُنَا النَّصارَى     ونحنُ نُجُومُهَا وَهيَ البُرُوجُ
وَفِينَا السّيْفُ حَمْلَتُهُ صَدُوقٌ     إذا لاقَى وغارَتُهُ لَجُوجُ
نُعَوّذُهُ مِنَ الأعْيَانِ بَأساً     وَيَكْثُرُ بالدّعاءِ لَهُ الضّجيجُ
رَضِينَا والدُّمُسْتُقُ غَيرُ رَاضٍ     بمَا حكَمَ القَوَاضِبُ والوَشيجُ
فإنْ يُقْدِمْ فَقَد زُرنَا سَمَنْدُو     وَإن يُحْجِمْ فمَوعِدُنَا الخَليجُ

المتنبي - بأدنى ابتسام منك تحيا القرائح

بأدْنَى ابْتِسَامٍ مِنْكَ تحيَا القَرَائِحُ     وَتَقوَى من الجسْمِ الضّعيفِ الجَوارحُ
وَمَن ذا الذي يَقضِي حقُوقَكَ كلّها     وَمَن ذا الذي يُرْضي سوَى من تُسامحُ
وَقَدْ تَقبَلُ العُذْرَ الخَفيُّ تكرَّماً     فَما بالُ عُذْري واقِفاً وَهوَ وَاضحُ
وَإنّ مُحالاً إذْ بكَ العَيشُ أنْ أُرَى     وَجِسمُكَ مُعتَلٌّ وجِسميَ صالحُ
وَما كانَ تَرْكُ الشّعرِ إلاّ لأنّهُ     تُقَصّرُ عَن وَصْفِ الأميرِ المَدائحُ

المتنبي - جللا كما بي فليك التبريح

جَلَلاً كمَا بي فَلْيَكُ التّبْريحُ     أغِذاءُ ذا الرّشإِ الأغَنّ الشّيحُ
لَعِبَتْ بمَشيَتِهِ الشَّمولُ وغادرَتْ     صَنَماً منَ الأصنامِ لَوْلا الرّوحُ
ما بالُهُ لاحَظْتُهُ فتَضَرّجَتْ     وَجنَاتُهُ وفُؤادِيَ المَجْرُوحُ
وَرَمَى وما رَمَتَا يَداهُ فَصابَني     سَهْمٌ يُعَذِّبُ والسّهامُ تُريحُ
قَرُبَ المَزَارُ ولا مَزارَ وإنّما     يَغدو الجَنانُ فَنَلْتَقي ويَرُوحُ
وفَشَتْ سَرائرُنا إلَيكَ وشَفّنا     تَعريضُنا فبَدا لَكَ التّصريحُ
لمّا تَقَطّعَتِ الحُمُولُ تَقَطّعَتْ     نَفْسِي أسًى وكأنّهُنّ طُلُوحُ
وَجَلا الوَداعُ من الحَبيبِ مَحاسِناً     حُسْنُ العَزاءِ وقد جُلينَ قَبيحُ
فَيَدٌ مُسَلِّمَةٌ وطَرْفٌ شاخِصٌ     وحَشاً يَذوبُ ومَدْمَعٌ مَسفُوحُ
يجدُ الحَمامُ ولوْ كوَجدي لانْبَرَى     شَجَرُ الأراكِ مَعَ الحَمامِ يَنُوحُ
وأمَقَّ لوْ خَدَتِ الشّمالُ براكِبٍ     في عَرْضِهِ لأناخَ وَهْيَ طَليحُ
نازَعْتُهُ قُلُصَ الرّكابِ ورَكْبُها     خَوْفَ الهَلاكِ حُداهُمُ التّسبيحُ
لَوْلا الأميرُ مُساوِرُ بنُ مُحَمّدٍ     ما جُشّمَتْ خَطَراً وَرُدّ نَصِيحُ
ومتى وَنَتْ وأبُو المُظَفَّرِ أمُّها     فأتاحَ لي وَلَها الحِمامَ مُتِيحُ
شِمْنا وما حُجِبَ السّماءُ بُرُوقَهُ     وحَرًى يَجُودُ وما مَرَتْهُ الرّيحُ
مَرْجُوُّ مَنْفَعَةٍ مَخُوفُ أذِيّةٍ     مَغْبُوقُ كأسِ مَحامِدٍ مَصبوحُ
حَنِقٌ على بِدَرِ اللُّجَينِ وما أتَتْ     بإساءَةٍ وعَنِ المُسِيءِ صَفُوحُ
لَوْ فُرّقَ الكَرَمُ المُفَرِّقُ مالَهُ     في النّاسِ لم يَكُ في الزّمانِ شَحيحُ
ألْغَتْ مَسامِعُهُ المَلامَ وغادَرَتْ     سِمَةً على أنْفِ اللّئَامِ تَلُوحُ
هذا الذي خَلَتِ القُرُونُ وذِكْرُهُ     وحَديثُهُ في كُتْبِها مَشْرُوحُ
ألْبابُنا بِجَمَالِهِ مَبْهُورَةٌ     وسَحابُنا بِنَوالِهِ مَفضُوحُ
يَغشَى الطّعانَ فَلا يَرُدّ قَنَاتَهُ     مكسُورَةً ومِنَ الكُماةِ صَحيحُ
وعلى التّرابِ منَ الدّماءِ مَجاسِدٌ     وعلى السّماءِ منَ العَجاجِ مُسُوحُ
يَخْطُو القَتيلَ إلى القَتيلِ أمَامَهُ     رَبُّ الجَوادِ وخَلْفَهُ المَبْطُوحُ
فمَقيلُ حُبّ مُحبّه فَرِحٌ بِهِ     ومَقيلُ غَيظِ عَدُوِّهِ مَقْرُوحُ
يُخْفي العَداوَةَ وهيَ غَيرُ خَفِيّةٍ     نَظَرُ العَدُوّ بِمَا أسَرّ يَبُوحُ
يا ابنَ الذي ما ضَمّ بُرْدٌ كابنِهِ     شَرَفاً ولا كالجَدّ ضَمّ ضَريحُ
نَفْديكَ من سَيْلٍ إذا سُئِلَ النّدَى     هَوْلٍ إذا اخْتَلَطا دَمٌ ومَسيحُ
لَوْ كُنتَ بحراً لم يكُنْ لكَ ساحِلٌ     أو كنتَ غَيثاً ضاقَ عنكَ اللُّوحُ
وخَشيتُ منكَ على البِلادِ وأهلِها     ما كانَ أنذَرَ قَوْمَ نُوحٍ نُوحُ
عَجْزٌ بِحُرٍّ فَاقَةٌ وَوَراءَهُ     رِزْقُ الإل?هِ وبابُكَ المَفْتُوحُ
إنّ القَرِيضَ شَجٍ بِعطْفي عائِذٌ     من أنْ يكونَ سَوَاءَكَ المَمْدوحُ
وذَكيّ رائحَةِ الرّياضِ كَلامُها     تَبْغي الثّنَاءَ على الحَيَا فَتَفُوحُ
جُهْدُ المُقِلّ فكَيفَ بابنِ كَريمَةٍ     تُوليهِ خَيراً واللّسانُ فَصيحُ

المتنبي - وطائرة تتبعها المنايا

وطائِرَةٍ تَتَبّعُهَا المَنَايَا     على آثارِها زَجِلُ الجَنَاحِ
كأنّ الرّيشَ منهُ في سِهَامٍ     على جَسَدٍ تَجَسّمَ من رِياحِ
كأنّ رُؤوسَ أقْلامٍ غِلاظٍ     مُسِحنَ برِيشِ جُؤجؤهِ الصِّحاحِ
فأقْعَصَها بحُجْنٍ تَحْتَ صُفْرٍ     لهَا فِعْلُ الأسِنّةِ والصِّفَاحِ
فقُلتُ لكُلّ حَيٍّ يَوْمُ سُوءٍ     وإنْ حَرصَ النّفُوسُ على الفَلاحِ

المتنبي - ما سدكت علة بمورود

مَا سَدِكَتْ عِلّةٌ بمَوْرُودِ     أكْرَمَ مِنْ تَغْلِبَ بنِ داوُدِ
يأنَفُ مِنْ مِيتَةِ الفِراشِ وَقَدْ     حَلّ بِهِ أصْدَقُ المَوَاعيدِ
وَمِثْلُهُ أنْكَرَ المَمَاتَ عَلى     غَيرِ سُرُوجِ السّوابِحِ القُودِ
بَعْدَ عِثَارِ القَنَا بلَبّتِهِ     وَضَرْبِهِ أرْؤسَ الصّنَاديدِ
وَخَوْضِهِ غَمْرَ كُلّ مَهْلَكَةٍ     للذِّمْرِ فيها فُؤادُ رِعْديدِ
فإنْ صَبَرْنَا فَإنّنَا صُبُرٌ     وَإنْ بَكَيْنَا فَغَيْرُ مَرْدودِ
وَإنْ جَزِعْنَا لَهُ فَلا عَجَبٌ     ذا الجَزْرُ في البَحْرِ غَيرُ مَعهُودِ
أينَ الهِبَاتُ التي يُفَرّقُهَا     على الزَّرَافَاتِ وَالمَوَاحِيدِ
سالِمُ أهْلِ الوِدادِ بَعْدَهُمُ     يَسْلَمُ للحُزْنِ لا لِتَخْليدِ
فَمَا تَرَجّى النّفوسُ مِنْ زَمَنٍ     أحْمَدُ حالَيْهِ غَيرُ مَحْمُودِ
إنّ نُيُوبَ الزّمَانِ تَعْرِفُني     أنَا الذي طالَ عَجْمُها عُودي
وَفيّ ما قَارَعَ الخُطُوبَ ومَا     آنَسَني بالمَصائِبِ السُّودِ
ما كُنْتَ عَنْهُ إذِ اسْتَغاثَكَ يا     سَيْفَ بَني هاشِمٍ بمَغْمُودِ
يا أكْرَمَ الأكْرَمينَ يا مَلِكَ الـ     ـأمْلاكِ طُرّاً يا أصْيَدَ الصِّيدِ
قَدْ ماتَ مِنْ قَبْلِها فَأنْشَرَهُ     وَقْعُ قَنَا الخَطّ في اللّغاديدِ
وَرَمْيُكَ اللّيْلَ بالجُنُودِ وَقَدْ     رَمَيْتَ أجْفانَهُمْ بتَسْهيدِ
فَصَبّحَتْهُمْ رِعَالُهَا شُزَّباً     بَينَ ثُباتٍ إلى عَبَادِيدِ
تَحْمِلُ أغْمادُهَا الفِداءَ لَهُمْ     فانْتَقَدُوا الضّرْبَ كالأخاديدِ
مَوْقِعُهُ في فَراشِ هَامِهِمِ     وَرِيحُهُ في مَنَاخِرِ السِّيدِ
أفْنى الحَيَاةَ التي وَهَبْتَ لَهُ     في شَرَفٍ شَاكِراً وَتَسْوِيدِ
سَقيمَ جِسْمٍ صَحيحَ مَكْرُمَةٍ     مَنجُودَ كَرْبٍ غِياثَ مَنجُودِ
ثُمّ غَدَا قَيْدهُ الحِمَامَ وَمَا     تَخْلُصُ مِنْهُ يَمينُ مَصْفُودِ
لا يَنقُصُ الهالِكُونَ مِنْ عَدَدٍ     مِنْهُ عَليٌّ مُضَيِّقُ البِيدِ
تَهُبّ في ظَهْرِهَا كَتائِبُهُ     هُبُوبَ أرْواحِهَا المَراوِيدِ
أوّلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْ     سَنَابِكُ الخَيلِ في الجَلاميدِ
مَهْمَا يُعَزِّ الفَتى الأميرَ بِهِ     فَلا بإقْدامِهِ وَلا الجُودِ
وَمِنْ مُنَانَا بَقَاؤهُ أبَداً     حَتى يُعَزّى بكُلّ مَوْلُودِ

المتنبي - عواذل ذات الخال في حواسد

عَوَاذِلُ ذاتِ الخَالِ فيّ حَوَاسِدُ     وَإنّ ضَجيعَ الخَوْدِ منّي لمَاجِدُ
يَرُدّ يَداً عَنْ ثَوْبِهَا وَهْوَ قَادِرٌ     وَيَعصي الهَوَى في طَيفِها وَهوَ راقِدُ
متى يَشتفي من لاعجِ الشّوْقِ في الحشا     مُحِبٌّ لها في قُرْبِه مُتَبَاعِدُ
إذا كنتَ تخشَى العارَ في كلّ خَلْوَةٍ     فَلِمْ تَتَصَبّاكَ الحِسانُ الخَرائِدُ
ألَحّ عَليّ السّقْمُ حتى ألِفْتُهُ     وَمَلّ طَبيبي جانِبي وَالعَوائِدُ
مَرَرْتُ على دارِ الحَبيبِ فحَمْحمتْ     جَوادي وهل تُشجي الجيادَ المعاهدُ
وما تُنكِرُ الدّهْمَاءُ مِن رَسْمِ منزِلٍ     سَقَتها ضَريبَ الشَّوْلِ فيهِ الوَلائِدُ
أهُمّ بشَيْءٍ واللّيَالي كأنّهَا     تُطارِدُني عَنْ كَوْنِهِ وَأُطارِدُ
وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ     إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ
وَتُسْعِدُني في غَمرَةٍ بَعدَ غَمْرَةٍ     سَبُوحٌ لهَا مِنهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ
تَثَنّى عَلى قَدْرِ الطّعانِ كَأنّمَا     مَفَاصِلُهَا تَحْتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ
وَأُورِدُ نَفْسِي والمُهَنّدُ في يَدي     مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجالِدُ
وَلَكِنْ إذا لمْ يَحْمِلِ القَلْبُ كفَّهُ     على حَالَةٍ لم يَحْمِلِ الكَفَّ ساعِدُ
خَليلَيّ إنّي لا أرَى غيرَ شاعِرٍ     فَلِمْ منهُمُ الدّعوَى ومني القَصائِدُ
فَلا تَعْجَبَا إنّ السّيُوفَ كَثيرَةٌ     وَلكِنّ سَيفَ الدّوْلَةِ اليَوْمَ واحِدُ
لهُ من كَريمِ الطبعِ في الحرْبِ مُنتضٍ     وَمن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامِدُ
وَلمّا رَأيتُ النّاسَ دونَ مَحَلِّهِ     تَيَقّنْتُ أنّ الدّهْرَ للنّاسِ نَاقِدُ
أحَقُّهُمُ بالسّيْفِ مَن ضَرَبَ الطُّلى     وَبالأمْنِ مَن هانَتْ عليهِ الشّدائدُ
وَأشقَى بلادِ الله ما الرّومُ أهلُها     بهذا وما فيها لمَجدِكَ جَاحِدُ
شَنَنْتَ بها الغاراتِ حتى تَرَكْتَها     وَجَفنُ الذي خَلفَ الفَرنْجةِ ساهِدُ
مُخَضَّبَةٌ وَالقَوْمُ صَرْعَى كأنّهَا     وَإنْ لم يكونوا ساجِدينَ مَساجِدُ
تُنَكّسُهُمْ والسّابِقاتُ جِبالُهُمْ     وَتَطْعَنُ فيهِمْ وَالرّماحُ المَكايدُ
وتَضربهم هبراً وَقد سكنوا الكُدَى     كما سكَنَتْ بطنَ الترابِ الأساوِدُ
وتُضحي الحصون المشمخرّاتُ في الذرَى     وَخَيْلُكَ في أعْنَاقِهِنَّ قَلائِدُ
عَصَفْنَ بهمْ يَوْمَ اللُّقَانِ وَسُقنَهم     بهِنريطَ حتى ابيَضّ بالسبيِ آمِدُ
وَألحَقنَ بالصّفصَافِ سابورَ فانهَوَى     وَذاقَ الرّدَى أهلاهُما وَالجَلامِدُ
وَغَلّسَ في الوَادي بهِنّ مُشَيَّعٌ     مُبارَكُ ما تحتَ اللّثَامَينِ عابِدُ
فَتًى يَشْتَهي طُولَ البلادِ وَوَقْتُهُ     تَضِيقُ بِهِ أوْقاتُهُ وَالمَقَاصِدُ
أخُو غَزَواتٍ مَا تُغِبُّ سُيُوفُهُ     رِقابَهُمُ إلاّ وَسَيْحانُ جَامِدُ
فلَم يَبقَ إلاّ مَنْ حَمَاهَا من الظُّبى     لمَى شَفَتَيْها وَالثُّدِيُّ النّوَاهِدُ
تُبَكّي علَيهِنّ البَطاريقُ في الدّجَى     وَهُنّ لَدَينا مُلقَياتٌ كَوَاسِدُ
بذا قضَتِ الأيّامُ ما بَينَ أهْلِهَا،     مَصائِبُ قَوْمٍ عِندَ قَوْمٍ فَوَائِدُ
وَمن شرَفِ الإقدامِ أنّكَ فيهِمِ     على القَتلِ مَوْمُوقٌ كأنّكَ شَاكِدُ
وَأنّ دَماً أجرَيْتَهُ بكَ فَاخِرٌ     وَأنّ فُؤاداً رُعْتَهُ لكَ حَامِدُ
وَكلٌّ يَرَى طُرْقَ الشّجاعَةِ والنّدى     وَلكِنّ طَبْعَ النّفْسِ للنّفسِ قائِدُ
نَهَبْتَ منَ الأعمارِ ما لَوْ حَوَيْتَهُ     لَهُنّئَتِ الدّنْيَا بأنّكَ خَالِدُ
فأنْتَ حُسامُ المُلْكِ وَالله ضَارِبٌ     وَأنْتَ لِواءُ الدّينِ وَالله عَاقِدُ
وَأنتَ أبو الهَيْجا بنُ حَمدانَ يا ابنهُ     تَشَابَهَ مَوْلُودٌ كَرِيمٌ وَوَالِدُ
وحَمدانُ حمدونٌ وَحمدونُ حارثٌ     وَحارِثُ لُقْمانٌ وَلُقْمَانٌ رَاشِدُ
أُولَئِكَ أنْيابُ الخِلافَةِ كُلُّهَا     وَسَائِرُ أمْلاكِ البِلادِ الزّوائِدُ
أُحِبّكَ يا شَمسَ الزّمانِ وبَدْرَهُ     وَإنْ لامَني فيكَ السُّهَى والفَراقِدُ
وَذاكَ لأنّ الفَضْلَ عندَكَ بَاهِرٌ     وَلَيسَ لأنّ العَيشَ عندَكَ بارِدُ
فإنّ قَليلَ الحُبّ بالعَقْلِ صالِحٌ     وَإنّ كَثيرَ الحُبّ بالجَهْلِ فاسِدُ

المتنبي - لكل امرىء من دهره ما تعودا

لكل امرىءٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوّدَا     وعادَةُ سيفِ الدّوْلةِ الطعنُ في العدى
وَإنْ يُكذِبَ الإرْجافَ عنهُ بضِدّهِ     وَيُمْسِي بمَا تَنوي أعاديهِ أسْعَدَا
وَرُبّ مُريدٍ ضَرَّهُ ضَرَّ نَفْسَهُ     وَهادٍ إلَيهِ الجيشَ أهدى وما هَدى
وَمُستَكْبِرٍ لم يَعرِفِ الله ساعَةً     رَأى سَيْفَهُ في كَفّهِ فتَشَهّدَا
هُوَ البَحْرُ غُصْ فيهِ إذا كانَ ساكناً     على الدُّرّ وَاحذَرْهُ إذا كان مُزْبِدَا
فإنّي رَأيتُ البحرَ يَعثُرُ بالفتى     وَهذا الذي يأتي الفتى مُتَعَمِّدَا
تَظَلّ مُلُوكُ الأرْض خاشعَةً لَهُ     تُفارِقُهُ هَلْكَى وَتَلقاهُ سُجّدَا
وَتُحْيي لَهُ المَالَ الصّوَارِمُ وَالقَنَا     وَيَقْتُلُ ما تحيي التّبَسّمُ وَالجَدَا
ذَكِيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَيْنِهِ     يَرَى قَلبُهُ في يَوْمِهِ ما ترَى غَدَا
وَصُولٌ إلى المُسْتَصْعَباتِ بخَيْلِهِ     فلَوْ كانَ قَرْنُ الشّمسِ ماءً لأوْرَدَا
لذلك سَمّى ابنُ الدُّمُستُقِ يَوْمَهُ     مَمَاتاً وَسَمّاهُ الدُّمُستُقُ موْلِدَا
سَرَيْتَ إلى جَيحانَ من أرْضِ آمِدٍ     ثَلاثاً، لقد أدناكَ رَكضٌ وَأبْعَدَا
فَوَلّى وَأعطاكَ ابْنَهُ وَجُيُوشَهُ     جَميعاً وَلم يُعطِ الجَميعَ ليُحْمَدَا
عَرَضْتَ لَهُ دونَ الحَياةِ وَطَرْفِهِ     وَأبصَرَ سَيفَ الله منكَ مُجَرَّدَا
وَما طَلَبَتْ زُرْقُ الأسِنّةِ غَيرَهُ     وَلكِنّ قُسطَنطينَ كانَ لَهُ الفِدَى
فأصْبَحَ يَجْتابُ المُسوحَ مَخَافَةً     وَقد كانَ يجتابُ الدِّلاصَ المُسرَّدَا
وَيَمْشِي بهِ العُكّازُ في الدّيرِ تائِباً     وَما كانَ يَرْضَى مشيَ أشقَرَ أجرَدَا
وَما تابَ حتى غادَرَ الكَرُّ وَجْهَهُ     جَريحاً وَخَلّى جَفْنَهُ النّقعُ أرْمَدَا
فَلَوْ كانَ يُنْجي من عَليٍّ تَرَهُّبٌ     تَرَهّبَتِ الأمْلاكُ مَثْنَى وَمَوْحَدَا
وكلُّ امرىءٍ في الشّرْقِ وَالغَرْبِ بعده     يُعِدّ لَهُ ثَوْباً مِنَ الشَّعْرِ أسْوَدَا
هَنيئاً لكَ العيدُ الذي أنتَ عيدُهُ     وَعِيدٌ لمَنْ سَمّى وَضَحّى وَعَيّدَا
وَلا زَالَتِ الأعْيادُ لُبْسَكَ بَعْدَهُ     تُسَلِّمُ مَخرُوقاً وَتُعْطَى مُجدَّدَا
فَذا اليَوْمُ في الأيّامِ مثلُكَ في الوَرَى     كمَا كنتَ فيهِمْ أوْحداً كانَ أوْحَدَا
هوَ الجَدّ حتى تَفْضُلُ العَينُ أُختَهَا     وَحتى يكونُ اليَوْمُ لليَوْمِ سَيّدَا
فَيَا عَجَباً مِنْ دائِلٍ أنْتَ سَيفُهُ     أمَا يَتَوَقّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلّدَا
وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ     تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا
رَأيتُكَ محْضَ الحِلْمِ في محْضِ قُدرَةٍ     وَلوْ شئتَ كانَ الحِلمُ منكَ المُهنّدَا
وَما قَتَلَ الأحرارَ كالعَفوِ عَنهُمُ     وَمَنْ لكَ بالحُرّ الذي يحفَظُ اليَدَا
إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ     وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى     مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى
وَلكنْ تَفُوقُ النّاسَ رَأياً وَحِكمةً     كما فُقتَهمْ حالاً وَنَفساً وَمحْتِدَا
يَدِقّ على الأفكارِ ما أنْتَ فاعِلٌ     فيُترَكُ ما يخفَى وَيُؤخَذُ ما بَدَا
أزِلْ حَسَدَ الحُسّادِ عَنّي بكَبتِهمْ     فأنتَ الذي صَيّرْتَهُمْ ليَ حُسّدَا
إذا شَدّ زَنْدي حُسنُ رَأيكَ فيهِمُ     ضرَبْتُ بسَيفٍ يَقطَعُ الهَامَ مُغمَدَا
وَمَا أنَا إلاّ سَمْهَرِيٌّ حَمَلْتَهُ     فزَيّنَ مَعْرُوضاً وَرَاعَ مُسَدَّدَا
وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي     إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا
فَسَارَ بهِ مَنْ لا يَسيرُ مُشَمِّراً     وَغَنّى بهِ مَنْ لا يُغَنّي مُغَرِّدَا
أجِزْني إذا أُنْشِدْتَ شِعراً فإنّمَا     بشِعري أتَاكَ المادِحونَ مُرَدَّدَا
وَدَعْ كلّ صَوْتٍ غَيرَ صَوْتي فإنّني     أنَا الطّائِرُ المَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصّدَى
تَرَكْتُ السُّرَى خَلفي لمَنْ قَلّ مالُه     وَأنعَلْتُ أفراسي بنُعْماكَ عَسجَدَا
وَقَيّدْتُ نَفْسِي في ذَرَاكَ مَحَبّةً     وَمَنْ وَجَدَ الإحْسانَ قَيْداً تَقَيّدَا
إذا سَألَ الإنْسَانُ أيّامَهُ الغِنى     وَكنتَ على بُعْدٍ جَعَلْنَكَ موْعِدَا

المتنبي - أهلا بدار سباك أغيدها

أهلاً بدارٍ سباك أغْيدُها     أبعد ما بان عنك خُرَّدُها
ظِلْتَ بِهَا تَنْطَوِي عَلى كَبِدٍ     نَضِيجَةٍ فَوْقَ خِلْبِهَا يَدُهَا
يَا حَادِيَيْ عيسِهَا وَأحْسَبُني     أُوجَدُ مَيْتاً قُبَيْلَ أفْقِدُهَا
قِفَا قَليلاً بها عَليّ فَلا     أقَلّ مِنْ نَظْرَةٍ أُزَوَّدُهَا
فَفي فُؤادِ المُحِبّ نَارُ جَوًى     أحَرُّ نَارِ الجَحيمِ أبْرَدُهَا
شَابَ مِنَ الهَجْرِ فَرْقُ لِمّتِهِ     فَصَارَ مِثْلَ الدّمَقْسِ أسْوَدُهَا
يَا عَاذِلَ العَاشِقِينَ دَعْ فِئَةً     أضَلّهَا الله كَيفَ تُرْشِدُهَا
لَيْسَ يُحِيكُ المَلامُ في هِمَمٍ     أقْرَبُهَا مِنْكَ عَنْكَ أبْعَدُهَا
بِئْسَ اللّيَالي سَهِدْتُ مِنْ طَرَبٍ     شَوْقاً إلى مَنْ يَبِيتُ يَرْقُدُهَا
أحْيَيْتُهَا وَالدّمُوعُ تُنْجِدُني     شُؤونُهَا وَالظّلامُ يُنْجِدُهَا
لا نَاقَتي تَقْبَلُ الرّدِيفَ وَلا     بالسّوْطِ يَوْمَ الرّهَانِ أُجْهِدُهَا
شِرَاكُهَا كُورُهَا وَمِشْفَرُهَا     زِمَامُهَا وَالشُّسُوعُ مِقْوَدُهَا
أشَدُّ عَصْفِ الرّيَاحِ يَسْبُقُهُ     تَحْتيَ مِنْ خَطْوِهَا تَأوّدُهَا
في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنّ مُتّصِلٍ     بمِثْلِ بَطْنِ المِجَنّ قَرْدَدُهَا
مُرْتَمِياتٌ بِنَا إلى ابنِ عُبَيْـ     ـدِ الله غِيطَانُهَا وَفَدْفَدُهَا
إلى فَتًى يُصْدِرُ الرّمَاحَ وَقَدْ     أنْهَلَهَا في القُلُوبِ مُورِدُهَا
لَهُ أيَادٍ إليّ سَابِقَةٌ     أعُدّ مِنْهَا وَلا أُعَدّدُهَا
يُعْطي فَلا مَطْلَةٌ يُكَدّرُهَا     بِهَا وَلا مَنّةٌ يُنَكّدُهَا
خَيْرُ قُرَيْشٍ أباً وَأمْجَدُهَا     أكثَرُهَا نَائِلاً وَأجْوَدُهَا
أطْعَنُهَا بالقَنَاةِ أضْرَبُهَا     بالسّيْفِ جَحْجاحُهَا مُسَوَّدُهَا
أفْرَسُهَا فَارِساً وَأطْوَلُهَا     بَاعاً وَمِغْوَارُهَا وَسَيّدُهَا
تَاجُ لُؤيّ بنِ غَالِبٍ وَبِهِ     سَمَا لَهَا فَرْعُهَا وَمَحْتِدُهَا
شَمْسُ ضُحَاهَا هِلالُ لَيلَتِهَا     دُرُّ تَقَاصِيرِهَا زَبَرْجَدُهَا
يَا لَيْتَ بي ضَرْبَةً أُتيحَ لهَا     كمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحَمّدُهَا
أثّرَ فِيهَا وَفي الحَدِيدِ ومَا     أثّرَ في وَجْهِهِ مُهَنّدُهَا
فَاغْتَبَطَتْ إذْ رَأتْ تَزَيّنَهَا     بِمِثْلِهِ وَالجِرَاحُ تَحْسُدُهَا
وَأيْقَنَ النّاسُ أنّ زَارِعَهَا     بالمَكْرِ في قَلْبِهِ سَيَحْصِدُهَا
أصْبَحَ حُسّادُهُ وَأنْفُسُهُمْ     يُحْدِرُهَا خَوْفُهُ وَيُصْعِدُهَا
تَبْكي علَى الأنْصُلِ الغُمُودُ إذَا     أنْذَرَهَا أنّهُ يُجَرِّدُهَا
لِعِلْمِهَا أنّهَا تَصِيرُ دَماً     وَأنّهُ في الرّقَابِ يُغْمِدُهَا
أطْلَقَهَا فَالعَدُوّ مِنْ جَزَعٍ     يَذُمّهَا وَالصّدِيقُ يَحْمَدُهَا
تَنْقَدِحُ النّارُ مِنْ مَضارِبِهَا     وَصَبُّ مَاءِ الرّقابِ يُخْمِدُهَا
إذَا أضَلّ الهُمَامُ مُهْجَتَهُ     يَوْماً فَأطْرَافُهُنّ تَنْشُدُهَا
قَدْ أجْمَعَتْ هَذِهِ الخَلِيقَةُ لي     أنّكَ يا ابنَ النّبيّ أوْحَدُهَا
وأنّكَ بالأمْسِ كُنْتَ مُحْتَلِماً     شَيْخَ مَعَدٍّ وَأنْتَ أمْرَدُهَا
وَكَمْ وَكَمْ نِعْمَةٍ مُجَلِّلَةٍ     رَبّيْتَهَا كانَ مِنْكَ مَوْلِدُهَا
وَكَمْ وَكَمْ حَاجَةٍ سَمَحْتَ بهَا     أقْرَبُ منّي إليّ مَوْعِدُهَا
وَمَكْرُمَاتٍ مَشَتْ علَى قَدَمِ الْـ     ـبِرّ إلى مَنْزِلي تُرَدّدُهَا
أقَرّ جِلْدي بهَا عَليّ فَلا     أقْدِرُ حَتّى المَمَاتِ أجْحَدُهَا
فَعُدْ بهَا لا عَدِمْتُهَا أبَداً     خَيْرُ صِلاتِ الكَرِيمِ أعْوَدُهَا


المتنبي - كم قتيل كما قتلت شهيد

كمْ قَتيلٍ كمَا قُتِلْتُ شَهيدِ     لِبَياضِ الطُّلَى وَوَرْدِ الخُدودِ
وَعُيُونِ المَهَا وَلا كَعُيُونٍ     فَتَكَتْ بالمُتَيَّمِ المَعْمُودِ
دَرَّ دَرُّ الصَّبَاءِ أيّامَ تَجْرِيـ     ـرِ ذُيُولي بدارِ أثْلَةَ عُودِي
عَمْرَكَ الله! هَلْ رَأيتَ بُدوراً     طَلَعَتْ في بَراقِعٍ وعُقُودِ
رَامِياتٍ بأسْهُمٍ رِيشُها الهُدْ     بُ تَشُقّ القُلوبَ قبلَ الجُلودِ
يَتَرَشّفْنَ مِنْ فَمي رَشَفَاتٍ     هُنّ فيهِ أحْلى مِنَ التّوْحيدِ
كُلُّ خُمْصَانَةٍ أرَقُّ منَ الخَمْـ     ـرِ بقَلْبٍ أقسَى مِنَ الجُلْمُودِ
ذاتِ فَرْعٍ كأنّما ضُرِبَ العَنْـ     ـبَرُ فيهِ بمَاءِ وَرْدٍ وَعُودِ
حالِكٍ كالغُدافِ جَثْلٍ دَجُو     جيٍّ أثيثٍ جَعْدٍ بلا تَجْعِيدِ
تَحْمِلُ المِسْكَ عن غَدائرِها الرّيـ     ـحُ وَتَفْتَرُّ عَن شَنيبٍ بَرُودِ
جَمَعَتْ بينَ جسْمِ أحمَدَ والسّقْـ     ـمِ وَبَينَ الجُفُونِ وَالتّسْهِيدِ
هَذِهِ مُهْجَتي لَدَيْكِ لحَيْني     فانْقُصِي مِنْ عَذابِها أوْ فَزيدي
أهْلُ ما بي منَ الضّنَى بَطَلٌ صِيـ     ـدَ بتَصْفيفِ طُرّةٍ وبجيدِ
كُلُّ شيءٍ مِنَ الدّماءِ حَرامٌ     شُرْبُهُ مَا خَلا ابْنَةَ العُنْقُودِ
فاسْقِنيهَا فِدًى لعَيْنَيْكَ نَفسي     مِنْ غَزَالٍ وَطارِفي وَتليدي
شَيْبُ رَأسِي وَذِلّتي ونُحولي     وَدُمُوعي عَلى هَوَاكَ شُهُودي
أيّ يَوْمٍ سَرَرْتَني بوِصالٍ     لمْ تَرُعْني ثَلاثَةً بِصُدُودِ
مَا مُقامي بأرْضِ نَخْلَةَ إلاّ     كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ
مَفْرَشِي صَهْوَةُ الحِصانِ وَلَكِـ     ـنّ قَميصِي مسرُودَةٌ مِنْ حَديدِ
لأمَةٌ فاضَةٌ أضَاةٌ دِلاصٌ     أحْكَمَتْ نَسْجَها يَدَا داوُدِ
أينَ فَضْلي إذا قَنِعْتُ منَ الدّهْـ     ـرِ بعَيْشٍ مُعَجَّلِ التّنكيدِ
ضاقَ صَدري وطالَ في طَلبِ الرّزْ     قِ قيامي وَقَلّ عَنهُ قُعُودِي
أبَداً أقْطَعُ البِلادَ وَنَجْمي     في نُحُوسٍ وَهِمّتي في سُعُودِ
وَلَعَلّي مُؤمّلٌ بَعْضَ مَا أبْـ     ـلُغُ باللّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ
لِسَرِيٍّ لِباسُهُ خَشِنُ القُطْـ     ـنِ وَمَرْوِيّ مَرْوَ لِبْسُ القُرُودِ
عِشْ عزيزاً أوْ مُتْ وَأنتَ كَرِيمٌ     بَينَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْقِ البُنُودِ
فَرُؤوسُ الرّمَاحِ أذْهَبُ للغَيْـ     ـظِ وَأشفَى لِغلّ صَدرِ الحَقُودِ
لا كَما قد حَيِيتَ غَيرَ حَميدٍ     وإذا مُتَّ مُتَّ غَيْرَ فَقيدِ
فاطْلُبِ العِزّ في لَظَى وَدَعِ الذّ     لّ وَلَوْ كانَ في جِنانِ الخُلُودِ
يُقْتَلُ العاجِزُ الجَبَانُ وقَدْ يَعـ     ـجِزُ عَن قَطْع بُخْنُقِ المَولودِ
وَيُوَقَّى الفَتى المِخَشُّ وقَدْ خوّ     ضَ في ماءِ لَبّةِ الصّنْديدِ
لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي     وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي
وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّا     دَ وَعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ
إنْ أكُنْ مُعجَباً فعُجبُ عَجيبٍ     لمْ يَجدْ فَوقَ نَفْسِهِ من مَزيدِ
أنَا تِرْبُ النّدَى وَرَبُّ القَوَافي     وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسودِ
أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّـ     ـهُ غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ