Pages

Wednesday, January 9, 2013

احمد شوقي - رَوّعوه ؛ فتولَّى مغضِبا

رَوّعوه ؛ فتولَّى مغضِبا     أَعلِمتم كيف ترتاعُ الظِّبا؟
خُلِقت لاهِية ً ناعمة     رُبَّما رَوَّعها مرُّ الصَّبا
لي حبيبٌ كلَّما قيل له     صَدَّقَ القولَ ، وزكذَى الرِّيبا
كذاب العُذَالُ فيما زعمو     أَملي في فاتِني ما كذبا
لو رَأَوْنا والهوى ثالثُنا     والدُّجى يُرخي علينا الحُجُبا
في جِوار الليل، في ذمَّتِه     نذكر الصبحَ بأنَّ لا يقربا
مِلءُ بُرْدَينا عفافٌ وهوى     حفظ الحسنَ ، وصنتُ الأدبا
يا غزالاً أَهِلَ القلبُ به     قلبي السَّفْحُ وأَحْنى ملْعبا
لك ما أَحببت مِنْ حَبَّتِه     منَهلاً عذباً ، ومرعى ً طَيِّبا
هو عندَ المالِكِ الأوْلى َ به     كيفَ أشكو أنه قد سُلِبا؟
إن رأَى أَبْقَى على مملوكه     أَو رأى أتلفه واحتسبا
لكَ قدٌّ سجدَ البانُ له     وتمَّنت لو أقلَّتْه الرُّبى
ولِحاظٌ، من معاني سحره     جمع الجفنُ سهاماً وظُبى
كان عن هذا لقلبي غُنْيَة ٌ     ما لقلبي والهوى بعد الصِّبا؟
فِطرتي لا آخُذ القلبَ بها     خُلِقَ الشاعِرُ سَمحاً طَرِبا
لو جَلَوْا حُسْنَكَ أَو غَنَّوْا به     للبيدٍ في الثمانين صَبا
أيها النفسُ ، تجدّين سُدى ً     هل رأيتِ العيشَ إلا لَعِبا؟
جَرِّبي الدنيا تَهُنْ عندكِ، ما     أَهونَ الدنيا على من جرّبا!!
نلتِ فيما نِلْتِ من مَظهرها     ومُنِحْتِ الخلدَ ذكراً، ونَبَا

احمد شوقي - لا والقوامِ الَّذي ، والأَعينِ اللاتي

لا والقوامِ الَّذي ، والأَعينِ اللاتي     ما خُنْتُ رَبَّ القَنا والمُشْرَفيَّاتِ
ولا سلوتُ ، ولم أهممْ ، ولا خطرتْ     بالبالِ سَلْوَاكِ في ماضٍ ولا آت
وخاتَمُ الملكِ للحاجات مُطَّلَبٌ     وثَغْرُكِ المتمنَّى كلُّ حاجاتي

احمد شوقي - لحظها لَحظها، رُوَيْداً رُوَيْدا

لحظها لَحظها، رُوَيْداً رُوَيْدا     كم إلى كم تكيد للروح كيْدا؟
كفَّ أو لا تكفَّ ؛ إن يجبني     لَسِهاماً أَرْسَلْتَها لن تُرَدّا
تصِلُ الضربَ ما أَرى لك حداً     فاتّقِ الله، والتزِمْ لك حدَّا
أو فضع لي من الحجارة قلبا     ثم صُغ لي من الحدائدِ كِبْدا
واكفِ جَفْنَيَّ دافقاً ليس يرْقا     واكفِ جَنْبَيَّ خافقاً ليس يَهْدا
فمن الغَبْنِ أَن يصير وعيداً     ما قطعت الزمانَ أرجوه وعْدا

احمد شوقي - الرُّشْدُ أَجملُ سِيرة يا أَحمدُ

الرُّشْدُ أَجملُ سِيرة يا أَحمدُ     ودُّ الغواني مَنْ شبابكَ أبعدُ
قد كان فيك لودهنّ بقية ٌ     واليومَ أَوْشَكَتِ البقية ُ تَنْفَدُ
هاروت شعركَ بعد ماروتِ الصبا     أَعيا، وفارقه الخليلُ المُسعِد
لم سمعنكَ قلنَ : شعرٌ أمردٌ     يا ليت قائله الطَّيرُ الأمردُ
ما لِلَّوَاهي الناعماتِ وشاعرٍ     جعل النسيبَ حبالة ً يتصيد ؟
ولكم جمعت قلوبهن على الهوى     وخدعتَ منْ قطعتْ ومن تودد
وسَخِرْتَ من واشٍ، وكِدْتَ لعاذِلٍ     واليومَ تنشدُ من يشي ويفند
أَئذا وَجَدْت الغِيد أَلهاكَ الهوى     وإذا وجدت الشِّعْرَ عزَّ الأَغيد؟

احمد شوقي - إن الوُشاة َ ـ وإن لم أَحْصِهم عددا

إن الوُشاة َ ـ وإن لم أَحْصِهم عددا ـ     تعلموا الكيدَ من عينيك والفندا
لا أَخْلفَ الله ظنِّي في نواظرِهم     ماذا رأَتْ بِيَ ممّا يبعثُ الحسدا؟
هم أَغضبوكَ فراح القدُّ مُنْثَنياً     والجفنُ منكسراً ، والخدُّ متقدا
وصادغوا أذُنا صعواءَ لينة ً     فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا
لولا احتراسيَ من عينَيْك قلتُ: أَلا     فانظر بعينيك، هل أَبقَيْت لي جَلَدَا؟
الله في مهجة ٍ أيتمتَ واحدَها     ظلماً ، وما اتخذتْ غير الهوى ولدا
ورُوحِ صبٍّ أَطالَ الحبُّ غُرْبَتَها     يخافُ إن رجعتْ أن تنكرَ الجسدَ
دع المواعيدَ ؛ إني مِتُّ مِنْ ظمإِ     وللمواعيد ماءٌ لا يَبُلُّ صَدى
تدعو ، ومَنْ لي أن أسعى بلا كبدٍ ؟     فمن معيريَ من هذا الورى كبدا ؟

احمد شوقي - يمدُّ الدُّجى في لوعتي ويزيدُ

يمدُّ الدُّجى في لوعتي ويزيدُ     ويُبدِىء ُ بَثِّي في الهوى ويُعيدُ
إذا طال واستعصى فما هي ليلة     ولكنْ ليالٍ ما لهنّ عَدِيدُ
أَرِقْتُ وعادتني لذكرى أَحِبَّتي     شجونٌ قيامٌ بالضلوع قعودُ
ومَنْ يَحْمِلِ الأَشواقَ يتعَب، ويَختلفْ     عليهِ قديمٌ في الهوى ، وجديد
لقيت الذي لم يلق قلبٌ من الهوى     لك الله يا قلبي ، أأنت حديد؟
لم أَخْلُ من وجْدٍ عليك، ورِقَّة ٍ     إذا حلَّ غِيدٌ، أَو ترحَّل غِيدُ
وروضٍ كما شاء المحبون ، ظلهُ     لهم ولأسرار الغرام مديدُ
تظللنا والطيرَ في جنباتِه     غصونٌ قيامٌ للنسيم سجود
تمِيل إلى مُضْنَى الغرامِ وتارة ً     يعارضها مُضْنَى الصَّبا فتَحيد
مَشَى في حوَاشيها الأَصيلُ، فذُهِّبَتْ     ومارتْ عليها الحلْيُ وهْيَ تَميد
ويَقْتُلنا لَحْظٌ، ويأْسِر جِيدُ     بأهلٍ ، ومفقودُ الأليفِ وَحيد
وباكٍ ولا دمعٌ، وشاكٍ ولا جوى ً     وجذلانُ يشدو في الرُّبَي ويشيد
وذي كبْرَة ٍ لم يُعْطَ بالدهر خِبْرَة ً     وعُرْيان كاسٍ تَزْدَهيه مُهود
غشيناه والأيامُ تندى شبيبة ً     ويَقْطُر منها العيشُ وهْوَ رَغيد
رأَتْ شفقاً يَنْعى النهارَ مُضَرَّجاً     فقلتُ لها: حتى النهارُ شَهيد
فقالت : وما بالطير ؟ قلت : سكينة ٌ     فما هي ممّا نبتغي ونَصيد
أُحِلَّ لنا الصيدان: يومَ الهوى مَهاً     ويومَ تُسَلُّ المُرْهَفاتُ أُسودُ
يحطِّم رمحٌ دوننا ومهندٌ     ويقلنا لحظٌ ، ويأسر جيدُ
ونحكم حتى يقبلَ الدهرُ حُكْمَنا     ونحن لسلطان الغرام عبيد
أقول لأيام الصبا كلما نأتْ :     أما لكَ يا عهدَ الشباب مُعيد؟
وكيف نأَتْ والأَمسُ آخرُ عهدِها؟     لأمسُ كباقي الغابرات عهيد
جزعتُ ، فراعتني من الشيبِ بسمة ٌ     كأَني على دَرْبِ المشيبِ لَبيد
ومن عبث الدنيا وما عبثت سدى ً     شببنا وشبنا والزمانُ وليدُ

احمد شوقي - في مقلتيك مصارعُ الأَكبادِ

في مقلتيك مصارعُ الأَكبادِ     الله في جنبٍ بغير عماد
كانت له كبدٌ ، فحاق بها الهوى     قُهِرتْ، وقد كانت من الأَطواد
وإذا النفوسُ تطوحتْ في لذة ٍ     كانت جنايتُها على الأَجساد
نَشْوى ، وما يُسقيْنَ إلاَّ راحتي     وَسْنَى ، وما يَطْعَمْن غير رُقادي
ضعفي ، وكم أبلين من ذي قوة     مرضى وكم أفنينَ من عواد
يا قاتل اللهُ العيونَ ؛ فإنها     في حَرِّ ما نَصْلَى الضعيفُ البادي
قاتلن في أجفانهن قلوبنا     فصَرَعْنَها، وسلِمْنَ بالأَغماد
وصبغن من دمها الخدود تتصلاً     ولقينَ أرباب الهوى بسواد

احمد شوقي - قفْ باللواحظِ عندَ حدكْ

قفْ باللواحظِ عندَ حدكْ     يكفيكَ فتنة ُ نارِ خدكْ
واجْعل لِغِمْدِكَ هدْنَة ً     إن الحوادث مِلءُ غِمْدِك
وصُنِ المحاسن عن قلو     ب لا يَدَيْنِ لها بجُنْدِك
نظرتْ إليكَ عن الفُتو     رِ، وما اتَّقَتْ سَطَواتِ حدِّك
أَعلى رِواياتِ القَنَا     ما كان نِسْبتُه لقَدِّك
نال العواذلُ جهدَهم     وسمعتَ منهم فرق جهدك
نقلوا إليك مقالة ً     ما كان أَكثَرُها لعبدك
ما بي السهامُ الكثرُ من     جَفْنَيْكَ، لكنْ سهمُ بُعْدِك

احمد شوقي - مضناك جفاهُ مرقده

مضناك جفاهُ مرقده     وبكاه ورحمَ عودُهُ
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ     مقروح الجفنِ مسهده
أودى حرفاً إلا رمقاً     يُبقيه عليك وتُنْفِدهُ
يستهوي الورق تاوهه     ويذيب الصخرَ تنهدهُ
ويناجي النجمَ ويتعبه     ويُقيم الليلَ ويُقْعِدهُ
ويعلم كلَّ مطوقة ٍ     شجناً في الدَّوحِ ترددهُ
كم مد لطفيكَ من شركٍ     وتادب لا يتصيدهُ
فعساك بغُمْضٍ مُسعِفهُ     ولعلّ خيالك مسعدهُ
الحسنُ حَلَفْتُ بيُوسُفِهِ     والسورة ِ إنك مفردهُ
قد وَدَّ جمالك أو قبساً     حوراءُ الخُلْدِ وأَمْرَدُه
وتمنَّت كلٌّ مقطعة ٍ     يدها لو تبعث تشهدهُ
جَحَدَتْ عَيْنَاك زَكِيَّ دَمِي     أكذلك خدَّك يحجده؟
قد عزَّ شُهودي إذ رمَتا     فأشرت لخدِّك أشهده
وهممتُ بجيدِك أشركه     فأبى ، واستكبر أصيده
وهزَزْتُ قَوَامَك أَعْطِفهُ     فَنَبا، وتمنَّع أَمْلَدُه
سببٌ لرضاك أمهده     ما بالُ الخصْرِ يُعَقِّدُه؟
بيني في الحبِّ وبينك ما     لا يَقْدِرُ واشٍ يُفْسِدُه
ما بالُ العاذِلِ يَفتح لي     بابَ السُّلْوانِ وأُوصِدُه؟
ويقول : تكاد تجنُّ به     فأَقول: وأُوشِكُ أَعْبُده
مَوْلايَ ورُوحِي في يَدِه     قد ضَيَّعها سَلِمتْ يَدُه
ناقوسُ القلبِ يدقُّ لهُ     وحنايا الأَضْلُعِ مَعْبَدُه
قسماً بثنايا لؤلُئِها     قسم الياقوت منضده
ورضابٍ يوعدُ كوثرهُ     مَقتولُ العِشقِ ومُشْهَدُه
وبخالٍ كاد يحجُّ له     لو كان يقبَّل أسوده
وقَوامٍ يَرْوي الغُصْنُ له     نَسَباً، والرُّمْحُ يُفَنِّدُه
وبخصرٍ أوهَنَ مِنْ جَلَدِي     وعَوَادِي الهجر تُبدِّدُه
ما خنت هواك ، ولا خطرتْ     سلوى بالقلب تبرده

احمد شوقي - بالله يا نَسَماتِ النيل في السَّحَرِ

بالله يا نَسَماتِ النيل في السَّحَرِ     هل عندَكُنَّ عن الأَحباب مِنْ خبَر؟
عرفتكنَّ بعرفٍ لا أكيفه     لا في الغوالي ، ولا في النَّورِ والزَّهَر
من بعض ما مسح الحسنُ الوجوهَ به     بينَ الجبينِ، وبينَ الفَرْقِ والشَّعَر
فهل عَلِقْتُنَّ أَثناءَ السُّرَى أَرَجاً     من الغدائر ، أو طيبا من الطُّرر؟
هجتنَّ لي لوعة ً في القلب كامنة ً     والجُرْحُ إنْ تَعْتَرِضْه نَسْمَة ٌ يَثُر
ذكرت مصر ، ومن أهوى ، ومجلسنا     على الجزيرة بين الجسر والنَّهَر
واليومُ أَشْيَبُ، والآفاقُ مُذْهَبة ٌ     والشمسث مصفرة ٌ تجري لمنحدر
والنخلُ مُتَّشِحٌ بالغيم، تحسبُهُ     هِيفَ العرائسِ في بيضٍ من الأُزُر
وما شجانيَ إلاّ صوتُ ساقية ٍ     تستقبل الليلَ بين النَّوْح والعَبَر
لم يترك الوجدُ منها غيرَ أَضْلُعِها     وغيرَ دَمعٍ كصَوْب الغَيْثِ مُنْهَمِر
بخيلة بمآقيها ، فلو سئلتْ     جَفْناً يُعين أَخا الأَشواقِ لم تُعِر
في ليلة من ليالي الدهر طَيِّبَة ٍ     محا بها كلَّ ذنبٍ غيرِ مُغْتَفَر
عفَّتْ ، وعفَّ الهوى فيها ، وفاز بها     عَفُّ الإشارة ِ، والأَلفاظِ، والنظر
بتنا ، وباتت حناناً حولنا ورضاً     ثلاثة ٌ بين سمْعِ الحبِّ والبصر
لا أكذب اللهَ ، كان النجمُ رابعنا     لو يُذْكرُ النجمُ بعد البدر في خبر
وأَنصفَتْنا، فظُلمٌ أَن نُجازِيَها     شكوى من الطول، أَو شكوى من القِصَر
دَعْ بعد رِيقَة ِ مَنْ تَهْوَى ومَنْطِقِه     ما قيل في الكأْس، أَو ما قيل في الوتر
ولا تبالِ بكنزٍ بعد مبسمِه     أَغلى اليواقيت ما أُعْطِيتَ والدُّرَر
ولم يَرُعْنِي إلاَّ قولُ عاذِلة ٍ     ما بالُ أَحمدَ لم يَحلُمْ ولم يَقِر؟
هلا ترفَّع عن لَهْوٍ وعن لَعِبٍ؟     إن الصغائر تغري النفسَ بالصغر
فقلتُ: للمجد أَشعاري مُسَيَّرة     وفي غواني العلا ـ لا في المها ـ وطري
مصرُ العزيزة ُ، مالي لا أُودِّعُها     وداعَ محتفظٍ بالعهد مذكر
خلَّفْتُ فيها القَطا ما بين ذي زَغَبٍ     وداعَ محتفظٍ بالعهد مدكر
وذي تمائمَ لم ينهض ولم يَطِرِ
أسلمتهم لعيون الله تحرسُهم     وأَسلموني لظلِّ الله في البشر

احمد شوقي - عَرَضوا الأَمانَ على الخواطرْ

عَرَضوا الأَمانَ على الخواطرْ     واستعرضوا السُّمْرَ الخواطر
فوقفتُ في حذر ، ويأْ     بى القلبُ إلا ان يخاطِر
يا قلب شأْنك والهوى     هذي الغصونُ وأَنت طائر
إن التي صادتْك تسـ     ـعى بالقلوب لها النواظر
ييا ثغرها ، أمستُ كالـ     ـغوَّاص، أَحْلُم بالجواهر
يا لحظَها، مَنْ أُمُّها؟     أو مَنْ أبوها في الجآذر ؟
يا شعرها ، لا تسعَ في     هتكي، فشأْنُ الليلِ ساتر
يا قَدَّها، حتَّام تغـ     ـدو عاذِلاً وتروح جائر؟
وبأيِّ ذنبٍ قد طعنـ     ـتَ حشايَ يا قدَّ الكبائر؟

احمد شوقي - في ذي الجفونِ صوارمُ الأَقدار

في ذي الجفونِ صوارمُ الأَقدار     راعي البريّة َ يا رَعاكِ الباري
وكفى الحياة ُ لنا حوادثَ ، فافتني     مَلأَ النجومِ وعَالَمَ الأَقمار
ما أَنتِ في هذي الحلى إنْسِيَّة     إن أنت إلا الشمسُ في الأنوار
زهراء بالأفق الذي من دونه     وثْبُ النُّهى ، وتطَاوُلُ الأَفكار
تهتك الألباب خلف حجابها     مهما طلعتِ ، فكيف بالأبصار ؟
يا زينة الإصباح والإمساء ، بل     يا رَوْنَقَ الآصال والأَسحار
ماذا تحاول من تنائينا النوى ؟     أَنتِ الدُّنى وأَنا الخيالُ الساري
ألقى الضحى ألقاك، ثم من الدجى     سبل إليك خفية الأغوار
وإذا أنستُ بوحدتي فلانها     سببي إليك، وسلمي، ومناري
إيهٍ زماني في الهوى وزمانها     ما كنتما إلا النَّميرَ الجاري
مُتسَلْسلاً بين الصبابة والصِّبا     ومترقرقاً بمسارح الأقدار

احمد شوقي - لك أَن تلوم، ولي من الأَعذار

لك أَن تلوم، ولي من الأَعذار     أن الهوى قدرٌ من الأقدار
ما كنت أسلمُ للعيون سلامتي     وأَبيحُ حادثة َ الغرام وَقاري
وطَرٌ تَعَلَّقَه الفؤادُ وينقضي     والنفسُ ماضية ٌ مع الأوطار
يا قلبُ، شأْنَك، لا أَمُدُّك في الهوى     أبداً ولا أدعوك للأقصار
أمري وأمرك في الهوى بيد الهوى     لو أَنه بيَدِي فككْتُ إساري
جار الشبيبة ، وانتفع بجوارها     قبلَ المشيب، فما له من جار
مثل الحياة تحبّ في عهد الصِّبا     مثل الرياض تحبُّ في آذار
أبدأ فروقُ من البلاد هي المنى     ومنايَ منها ظبية ٌ بسِوار
ممنوعة ٌ إلا الجمالَ بأَسره     محجوبة ٌ إلا عن الأنظار
خطواتها التقوى ، فلا مزهوة ٌ     تمشي الدَّلال، ولا بذات نفار
مرّتْ بنا فوق الخليج، فأَسفرتْ     عن جَنّة ، وتلفتت عن نار
في نِسْوَة ٍ يُورِدْن مَن شِئْن الهوى     نظرا ، ولا ينظرن في الإصدار
عارضتهنّ ، وبين قلبي والهوى     أَمرٌ أُحاول كتْمَه وأُداري

احمد شوقي - أَتغلبني ذاتُ الدلالِ على صبري؟

أَتغلبني ذاتُ الدلالِ على صبري؟     إذن أَنا أَولى بالقناع وبالخِدْر
تتيه ، ولي حلمٌ إذا مار كبته     رددتُ به أَمرَ الغرامِ إلى أَمري
وما دفعي اللوامَ فيها سآمة     ولكنّ نفسَ الحرّ أَزجرُ للحرّ
وليلٍ كانّ الحشرَ مطلعُ فجره     تراءَتْ دموعي فيه سابقة َ الفجر
سريت به طيفاً لى من أحبها     وهل بالسُّها في حُلَّة ِ السُّقمِ من نُكر
طرقْتُ حِماها بعدَ ما هبّ أَهلُها     أَخوضُ غِمارَ الظنِّ والنظرِ الشزْر
فما راعني إلاَّ نساءٌ لِقينَني     يبالِغن في زَجْري، ويُسرفن في نَهري
يقلْن لمن أَهوى وآنَسْنَ رِيبة ً:     نرى حالة ً بين الصَّبابة والسّحر
إليكنّ جاراتِ الحمى عن ملامتي     وذَرْنَ قضاءَ الله في خَلْقه يجري
وأَحْرَجني دمعي، فلما زجرتُه     رددتُ قلوبَ العاذِلاتِ إلى العُذْر
فساءَلْنها: ما اسمي؟ فسمَّتْ، فجئنني     يَقُلْنَ: أَماناً للعذارى من الشِّعر
فقلتُ: أَخافُ الله فِيكُنَّ، إنني     وجدتُ مقالَ الهُجْر يُزْرَى بأَن يُزْرِي
أَخذتُ بحَظٍّ من هواها وبينها     ومن يهو يعدلْ في الوصال وفي الهجر
إذا لم يكن المرءِ عن عيشة ٍ غنى ً     فلا بدّ من يُسر، ولا بد من عُسر
ومن يَخبُرِ الدنيا ويشربْ بكأْسها     يجدْ مُرَّها في الحلو، والحلوَ في المرّ
ومن كان يغزو بالتَّعِلاَّت فقرَه     فإني وجدتُ الكدَّ أقتلَ للفقر
ومن يستعنْ في أمرهِ غير نفسه     يَخُنْه الرفيقُ العون في المسلك الوعْر
ومن لم يقم ستراً على عيبِ غيره     يعِش مستباحَ العِرْضِ، مُنهَتِك السّتر
ومن لم يجمِّل بالتواضع فضله     يَبِنْ فضلُه عنه، ويَعْطَلْ من الفخر

احمد شوقي - قلبٌ يذوب ، ومدمعٌ يجري

قلبٌ يذوب ، ومدمعٌ يجري     يا ليلُ ، هل خيرٌعن الفجر
حالت نجومك دون مطلعه     لا تبتغي حِوَلاً، ولا يسري
وتطاولَتْ جُنْحاً، فخُيِّل لي     أَن الصباحَ رهينة ُ الحشر
أَرسيتَها وملكتَ مذهبَها     بدجنة ٍ كسريرة الدهر
ظلمٌ تجيء بها وترجعها     والموجُ منقلبٌ إلى البحر
ليت الكرى وموسى فيوردها     فرعون هذا السهد والفكر
ولقد أَقول لهاتفٍ سحراً     يبكي لغير نوىص ولا أسر
والروضُ أخرسُ غير وسوية ٍ     خَفَقَ الغصونِ، وجرْية الغُدْر
والطيرُ مِلءُ الأَيْكِ، أَرؤُسُها     مثلُ الثمار بدت من السِّدْر
ألقى الجناحَ ، وناء بالصدر     ورنا بصفراوين كالتبر
لكهم السهادُ بيوتَ هدبها     وأَقام بين رُسومِها الحُمْر
تهدا جوانحه ، فتحسبه     من صَنْعة الأَيدي أَو السِّحْر
وتثور، فهْوَ على الغصون يَدٌ     علقتْ أناملها من الجمر
يا طيرُ، بُثَّ أَخاك ما يَجري     إنَّا كِلانا مَوْضِعُ السِّرّ
بي مثل ما بك من جوى ً ونوى ً     أنا في الأنام ، وأنت في القمر
عبث الغرام بنا وروعنا     أنا بالملام ، وأنت بالزجر
يا طيرُ، لا تجزَعْ لحادثة ٍ     كلُّ النفوسِ رهائنُ الضرّ
فيما دهاك لو اطَّلعتَ رضًى     شرٌّ أخفُّ عليك من شرّ
يا طيرُ، كَدْرُ العيشِ لو تدري     في صفوه، والصفْوُ في الكَدْر
وإذا الأُمورُ استُصعِبَتْ صَعُبَتْ     ويهون ما هوّنتَ من أَمر
يا طيرُ، لو لُذْنا بمصْطَبَرٍ     فلعلّ رُوحَ الله في الصَّبْر
وعسى الأَمانيُّ العذابُ لنا     عونٌ على السلوان والهجر