Pages

Wednesday, January 16, 2013

المتنبي - أيا خدد الله ورد الخدود

أيَا خَدّدَ الله وَرْدَ الخُدودِ     وَقَدّ قُدودَ الحِسانِ القُدودِ
فَهُنّ أسَلْنَ دَماً مُقْلَتي     وَعَذّبْنَ قَلبي بطُولِ الصّدودِ
وكَمْ للهَوَى من فَتًى مُدْنَفٍ     وكَمْ للنّوَى من قَتيلٍ شَهيدِ
فوَا حَسْرَتَا ما أمَرّ الفِراقَ     وَأعْلَقَ نِيرانَهُ بالكُبُودِ
وأغْرَى الصّبابَةَ بالعاشِقِينَ     وَأقْتَلَهَا للمُحِبّ العَميدِ
وَألْهَجَ نَفْسي لغَيرِ الخَنَا     بحُبّ ذَواتِ اللَّمَى والنّهُودِ
فكانَتْ وكُنّ فِداءَ الأميرِ     ولا زالَ مِنْ نِعْمَةٍ في مَزيدِ
لقَد حالَ بالسّيفِ دونَ الوَعيدِ     وحالَتْ عَطاياهُ دونَ الوُعودِ
فأنْجُمُ أمْوالِهِ في النّحُوسِ     وأنْجُمُ سُؤّالِهِ في السّعُودِ
ولَوْ لمْ أخَفْ غَيرَ أعْدائِهِ     عَلَيْهِ لَبَشّرْتُهُ بالخُلُودِ
رَمَى حَلَباً بِنَواصِي الخُيُولِ     وسُمْرٍ يُرِقْنَ دَماً في الصّعيدِ
وبِيضٍ مُسافِرَةٍ ما يُقِمْـ     ـنَ لا في الرّقابِ ولا في الغُمُودِ
يَقُدْنَ الفَنَاءَ غَداةَ اللّقاءِ     إلى كلّ جيشٍ كَثيرِ العَديدِ
فَوَلّى بأشياعِهِ الخَرْشَنيُّ     كَشاءٍ أحَسّ بِزَأرِ الأسُودِ
يَرَوْنَ مِنَ الذّعر صَوْتَ الرّياحِ     صَهيلَ الجِيادِ وخَفْقَ البُنُودِ
فَمَنْ كالأميرِ ابنِ بنْتِ الأميـ     ـرِ أوْ مَنْ كآبائِهِ والجُدُودِ
سَعَوْا للمَعالي وَهُمْ صبْيَةٌ     وسادوا وجادوا وهُمْ في المُهودِ
أمَالِكَ رِقّي ومَنْ شَأنُهُ     هِباتُ اللُّجَينِ وعِتْقُ العَبيدِ
دَعَوْتُكَ عِندَ انْقِطاعِ الرّجَا     ءِ والمَوْتُ مني كحَبل الوَريدِ
دَعَوْتُكَ لمّا بَراني البَلاءُ     وأوْهَنَ رِجْليّ ثِقْلُ الحَديدِ
وقَدْ كانَ مَشيُهُما في النّعالِ     فقَد صارَ مَشيُهُما في القُيُودِ
وكنت منَ النّاسِ في مَحْفِلٍ     فَها أنَا في مَحْفِلٍ مِنْ قُرُودِ
تُعَجِّلُ فيّ وُجوبَ الحُدودِ     وَحَدّي قُبَيلَ وُجوبِ السّجودِ
وقيل: عَدَوْتَ على العالمينَ     بَينَ وِلادي وبَينَ القُعُودِ
فَما لَكَ تَقْبَلُ زُورَ الكَلامِ     وقَدْرُ الشّهادَةِ قَدْرُ الشّهُودِ
فَلا تَسْمَعَنّ مِنَ الكَاشِحِينَ     وَلا تَعْبَأنّ بِعِجْلِ اليَهُودِ
وكنْ فارِقاً بينَ دَعوَى أرَدتُ     وَدَعوَى فَعَلْتُ بشَأوٍ بَعيدِ
وفي جُودِ كَفّيْكَ ما جُدْتَ لي     بنَفسي ولوْ كنتُ أشْقَى ثَمُودِ

المتنبي - أليوم عهدكم فأين الموعد؟

ألْيَوْمَ عَهدُكُمُ فأينَ المَوْعِدُ؟     هَيهاتِ ليسَ ليَوْمِ عَهدِكُمُ غَدُ
ألمَوْتُ أقرَبُ مِخْلَباً من بَيْنِكُمْ     وَالعَيشُ أبعَدُ منكُمُ لا تَبعُدُوا
إنّ التي سفَكَتْ دَمي بجُفُونِها     لم تَدْرِ أنّ دَمي الذي تَتَقَلّدُ
قالَتْ وقَد رَأتِ اصْفِراري من بهِ     وَتَنَهّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ
فَمَضَتْ وقد صَبَغَ الحَياءُ بَياضَهَا     لَوْني كَما صَبَغَ اللُّجَينَ العَسجَدُ
فرَأيتُ قَرْنَ الشّمسِ في قمرِ الدّجى     مُتَأوّداً غُصْنٌ بِهِ يَتَأوّدُ
عَدَوِيّةٌ بَدَوِيّةٌ مِنْ دُونِهَا     سَلْبُ النّفُوسِ ونارُ حرْبٍ توقَدُ
وَهَواجِلٌ وصَواهِلٌ ومَنَاصِلٌ     وذَوابِلٌ وتَوَعّدٌ وتَهَدُّدُ
أبْلَتْ مَوَدّتَها اللّيالي بَعْدَنَا     ومَشَى عَلَيها الدّهرُ وهوَ مُقَيَّدُ
بَرّحْتَ يا مَرَضَ الجُفُونِ بِمُمرَضٍ     مَرِضَ الطّبيبُ لهُ وَعِيدَ العُوّدُ
فَلَهُ بَنُو عَبْدِ العَزيزِ بنِ الرّضَى     ولكُلّ رَكْبٍ عيسُهُمْ والفَدْفَدُ
مَن في الأنامِ مِنَ الكِرامِ ولا تَقُلْ     مَن فيكِ شأمُ سوَى شجاعٍ يُقصَدُ
أعطى فقُلتُ: لجودِه ما يُقْتَنَى،     وَسَطا فقلتُ: لسَيفِهِ ما يُولَدُ
وَتَحَيّرَتْ فيهِ الصّفاتُ لأنّهَا     ألْفَتْ طَرائِقَهُ عَلَيها تَبْعُدُ
في كلّ مُعْتَرَكٍ كُلًى مَفْرِيّةٌ     يَذْمُمْنَ منهُ ما الأسِنّةُ تَحمَدُ
نِقَمٌ عَلى نِقَمِ الزّمانِ يَصُبّها     نِعَمٌ على النّعَمِ التي لا تُجْحَدُ
في شَانِهِ ولِسانِهِ وبَنَانِهِ     وَجَنانِهِ عَجَبٌ لمَنْ يَتَفَقّدُ
أسَدٌ دَمُ الأسَدِ الهِزَبْرِ خِضابُهُ     مَوْتٌ فَريصُ المَوْتِ منهُ يُرْعَدُ
ما مَنْبِجٌ مُذْ غِبْتَ إلاّ مُقْلَةٌ     سهدتْ وَوَجْهُكَ نوْمُها والإثمِدُ
فاللّيلُ حينَ قَدِمْتَ فيها أبْيَضٌ     والصّبْحُ مُنذُ رَحَلْتَ عنها أسوَدُ
ما زِلْتَ تَدنو وهْيَ تَعْلُو عِزّةً     حتى تَوَارَى في ثَراها الفَرْقَدُ
أرْضٌ لها شَرَفٌ سِواها مِثْلُهَا     لوْ كانَ مثْلُكَ في سِواها يُوجَدُ
أبْدَى العُداةُ بكَ السّرورَ كأنّهُمْ     فرِحوا وعِندَهُمُ المُقيمُ المُقْعِدُ
قَطّعْتَهُمْ حَسَداً أراهُمْ ما بهِمْ     فَتَقَطّعُوا حَسَداً لمنْ لا يَحسُدُ
حتى انْثَنَوْا ولَوْ أنّ حرّ قُلوبهمْ     في قَلْبِ هاجِرَةٍ لَذابَ الجَلْمَدُ
نَظَرَ العُلُوجُ فلَمْ يَروْا من حَوْلهم     لمّا رَأوْكَ وقيلَ هذا السّيّدُ
بَقيَتْ جُمُوعُهُمُ كأنّكَ كُلّها     وبَقيتَ بَينَهُمُ كأنّكَ مُفْرَدُ
لهفَانَ يَستوْبي بكَ الغَضَبَ الوَرَى     لوْ لم يُنَهْنِهْكَ الحِجى والسّؤدُدُ
كنْ حيثُ شئتَ تَسِرْ إليكَ رِكابُنا     فالأرْضُ واحِدَةٌ وأنتَ الأوْحَدُ
وَصُنِ الحُسامَ ولا تُذِلْهُ فإنّهُ     يَشكُو يَمينَكَ والجَماجمُ تَشهَدُ
يَبِسَ النّجيعُ عَلَيْهِ وَهْوَ مُجَرَّدٌ     مِنْ غِمْدِهِ وكأنّما هوَ مُغْمَدُ
رَيّانُ لَوْ قَذَفَ الذي أسْقَيْتَهُ     لجَرَى منَ المُهَجاتِ بَحْرٌ مُزْبدُ
ما شارَكَتْهُ مَنِيّةٌ في مُهْجَةٍ     إلاّ وشَفْرَتُهُ على يَدِها يَدُ
إنّ العَطايا والرّزايا والقَنا     حُلَفاءُ طَيٍّ غَوّرُوا أوْ أنجَدُوا
صِحْ يا لَجُلْهُمَةٍ تُجِبْكَ وإنّما     أشفَارُ عَينِكَ ذابِلٌ ومُهَنّدُ
من كلّ أكبَرَ مِنْ جِبالِ تِهامَةٍ     قَلْباً ومِنْ جَوْدِ الغَوَادي أجوَدُ
يَلْقاكَ مُرْتَدِياً بأحْمَرَ مِنْ دَمٍ     ذَهَبَتْ بخُضرَتِهِ الطُّلَى والأكْبُدُ
حتى يُشارَ إلَيكَ: ذا مَوْلاهُمُ     وَهُمُ المَوَالي والخَليقَةُ أعْبُدُ
أنّى يَكُونُ أبَا البَرِيّةِ آدَمٌ     وأبوكَ والثّقَلانِ أنْتَ مُحَمّدُ
يَفنى الكَلامُ ولا يُحيطُ بفَضْلِكُمْ     أيُحيطُ ما يَفْنى بمَا لا يَنْفَدُ

--------

Tuesday, January 15, 2013

احمد شوقي - به سحرٌ يتيمهُ

به سحرٌ يتيمهُ     كلا جفينكَ يعلمهُ
هما كادا لمهجتهِ     ومنكَ الكيدُ مُعظمُه
تعذبه بسحرهما     وتوجده ، وتعدمه
فلا هَارُوتَ رَقَّ له     ولا مَارُوتَ يَرْحَمُه
وتَظلِمُه فلا يشكو     إلى ما ليس يظلمه
أَسرَّ، فماتَ كتماناً     وباح، فخانه فمُه
فويْحَ المُدنَفِ المعمـ     ـودِ ، حتى البثُّ يحرمه
طويل الليل ، ترحمه     هواتِفُه وأَنجُمه
إذا جدّ الغرام به     جرى في دمعه دمه
يكاد لطول صحبتِه     بعادي السقم يسقمه
ثَنَى الأَعنَاقَ عُوَّدُه     وأَلقى العذرَ لُوَّمُه
قضى عشقاً سوى رمقٍ     إليكَ غداً يقدِّمه
عسى إن قيل : مات هوى     تقول : اللهُ يرحمه
فتحيا في مَراقِدها     بلفظٍ منكَ أعظمه
بروحي البانُ يومَ رَنا     عن المقدورِ أَعْصِمُه
ويوم طعنتُ من غصن     معلمه منعمه
قضاء اللهش نظرته     ولطفُ الله مَبْسِمُه
رمى ، فاستهدفتْ كبدي     بِيَ الرّامي وأَسْهمُه
له من أضلعي قاعٌ     ومن عَجَبٍ يسلِّمه
ومن قلبي وحبته     كناسٌ بات يهدمه
غزالٌ في يديه التيـ     ـه بينَ الغيدِ يقسمه

احمد شوقي - مَنْ صَوَّرَ السِّحْرَ المُبينَ عيونا

مَنْ صَوَّرَ السِّحْرَ المُبينَ عيونا     واحلَّه حدقاً لها وجفونا ؟
نظرتْ ، فحلتُ بجانبي ، فاستهدفتْ     كبدي ، وكان فوادي المغبونا
ورمت بسهم جال فيه جولة ً     حتى استقر ، فرنَّ فيه زنينا
فَلَمَسْتُ صدري مُوجساً ومُرَوَّعاً     ولمست جنبي مشفقاً وضنينا
يا قلبُ، إن من البَواتر أَعْيُناً     سوداً ، وإن من الجآذر عينا
لا تأْخذنّ من الأُمور بظاهرٍ     إن الظواهر تخدعُ الرائينا
فلكم رَجَعتُ من الأَسِنّة سالماً     وصدرت عن هيفِ القدود طعينا
وخميلة ٍ فوق الجزيرة مسها     ذهبُ الأصيل حواشياً ومتونا
كالتبر أفقاً ، والزبرجدِ ربوة     والمسكِ ترباً ، واللجين معينا
وقف الحيا من دونها مُسْتأْذِناً     ومشى النسيم بظلها ماذونا
وجرى عليها النيلُ يَقْذِفُ فضَّة     نثراً، ويَكسِر مَرْمَراً مَسْنونا
يُغري جواريَهُ بها، فَيجئنها     ويغيرهنَّ بها ، فيستعلينا
راع الظلام بها اوانس ترتمي     مثلَ الظباءِ من الرُّبى يَهوِينا
يخطرن في ساح القلوب عواليا     ويملن في مرأى العيون غصونا
عِفْنَ الذيولَ من الحرير وغيره     وسَحَبْنَ ثَمَّ الآسَ والنَّسْرينا
عارضتهن ولي فؤادٌ عرضة ٌ     لهوى الجآذرِ دانَ فيه ودِينا
فنظرن لا يدرين : أذهبُ يسرة ً     فيحدنَ عني ، أم أميل يمينا ؟
ونفرنَ من حولي وبين حبائلي     كالسِّرب صادفَ في الرَّواح كَمِينا
فجمعتهن إلى الحديث بدأته     فغصبن ، ثم أعدته فرضينا
وسمعت من أهوى تقول لتربها :     أَحْرَى بأَحمدَ أَن يكون رزينا
قالت: أَراه عندَ غاية ِ وَجْدِه     فلعلَّ ليلى ترحمُ المجنونا

احمد شوقي - أذعنَ للحسن عصيُّ العنانْ

أذعنَ للحسن عصيُّ العنانْ     وحاولتْ عيناك أمراً فكان
يعيش جفناك لبَثِّ المُنى     أو الأسى في قلب راجٍ وعان
يا مسرفاً في التيه ما ينتهي     أخاف أن يفنى علينا الزمان
ويا كثيرَ الدَّلّ في عزه     لا تنس لي عزِّي قُبَيْلَ الهَوان
ويا شديد العجبِ ، مهلاً ، فما     مِنْ مُنكرٍ أَنك زينُ الحِسان

احمد شوقي - يا حسنه بين الحسانْ

يا حسنه بين الحسانْ     في شكله إن قيل: بانْ
كالبدرِ تأْخذه العيو     نُ وما لهنّ به يَدان
مَلك الجوانحَ والفؤا     د ففي يديه الخافقان
ومنايَ منه نظرة ٌ     فعسى يُشير الحاجبان
فعَسى يُزَكِّي حُسْنَه     من لا له في الحسن ثان
فدعوه يعدلُ أو يجو     رُ، فإنه مَلكَ العِنان
حَقَّ الدلالُ لمن له     في كل جارحة مكان

احمد شوقي - يا ناعماً رقدت جُفونُه

يا ناعماً رقدت جُفونُه     مضناك لا تهدا شجونه
حملَ الهوى لك كلَّه     إن لم تعنه فمنْ يعينه؟
عُدْ مُنعِماً، أَو لا تَعُدْ     أَوْدَعْتَ سرَّكَ مَن يصُونُه
بيني وبيكَ في الهوى     سببٌ سيجمعنا متينه
رشأ يعابُ الساحرو     ن وسحرهم ، إلا جفونه
الروحُ مِلْكُ يمينه     يَفديه ما مَلَكَتْ يَمِينه
ما البانُ إلاَّ قدُّه     لو تيمتْ قلباً غصونه
ويزين كلَّ يتيمة     فمُه، وتحسبُهَا تَزينُه
ما العمرُ إلا ليلة ٌ     كان الصباح لها جبينه
بات الغرامُ بديننا     فيها كما بتنا ندينه
بين الرقيب وبيننا     وادٍ تباعدُه حزونُه
تغتابه ونقول : لا     بَقِي الرقيبُ ولا عيونُه

احمد شوقي - صحا القلبُ، إلاَّ من خُمارِ أَماني

صحا القلبُ، إلاَّ من خُمارِ أَماني     يجاذبُني في الغِيدِ رَثَّ عِناني
حنانيك قلبي، هل أعيدُ لك الصِّبا؟     وهل للفتى بالمستحيل يَدان؟
نحنُّ إلى ذاك الزمانِ وطيبه     وهل أَنتَ إلا من دم وحَنان؟
إذا لم تصن عهداً ، ولم ترعَ ذمة ً     ولم تدكر إلفا ؛ فلست جناني
أَتذكر إذ نُعْطِي الصَّبابة َ حقَّها     ونشرب من صرف الهوى بدنان؟
وأَنتَ خَفوقٌ، والحبيبُ مباعدٌ     وأَنت خفوقٌ، والحبيبُ مدان؟
وأَيامَ لا آلو رِهاناً مع الهَوى     وأَنت فؤادي عند كل رِهان
لقد كنت أشكو بعد ما عللك الصِّبا     فكيف ترى الكاسين تختلفان ؟
ومازلتُ في رَيْعِ الشباب، وإنما     يشيبُ الفتى في مصرَ قبلَ أوان
ولا أكذبُ الباري ، بنى اللهُ هيكلي     صنيعة إحسانٍ، ورِقَّ حِسان
أدين إذا افتاد الجمالُ أزمتي     وأَعنو إذا اقتادَ الجميلُ عِناني

احمد شوقي - الله في الخلق من صَبٍّ ومن عاني

الله في الخلق من صَبٍّ ومن عاني     تفنى القلوبُ ويبقى قلبكِ الجاني
صوني جمالكِ عنا إننا بشرٌ     من التراب ، وهذا الحسنُ روحاني
أو فابتغي فلكاً تأوينه ملكاً     لم يتخذ شركاً في العالم الفاني
يَنساب في النور مَشغوفاً بصورته     منعماً في بديعات الحلى هاني
إذا تبسم أبدى الكون زينته     وإن تنفس أهدى طيبَ ريحان
وأشرقي من سماءِ العزِّ مشرقة ً     بمنظرٍ ضاحكِ اللألاءِ فتان
عسى تَكُفُّ دموعٌ فيكِ هامِيَة ٌ     لا تطلعُ الشمسُ والأنداءُ في آن
يا من هجرت إلى الأوطان رؤيتها     فرُحْتُ أَشوقَ مُشتاقٍ لأَوطان
أَتذكرين حنيني في الزمان لها     وسَكْبِيَ الدّمعَ من تذْكارها قاني؟
وغبطي الطير ألقاه أصيح به :     ليت الكريم الذي أعطاك أعطاني ؟

احمد شوقي - قلبٌ بوادي الحمى خلفته رمقاً

قلبٌ بوادي الحمى خلفته رمقاً     ماذا صنعْتِ به يا ظبية َ البان؟
أحنى عليكِ من الكثبان ، فاتخذي     عليه مرعاكِ من قاعٍ وكثبان
غَرَّبْتِه، فَوَهَى جَنْبي لفُرقته     وحَنَّ للنازح الماسورِ جثماني
لا ردّه الله من أَسْرٍ، ومن خَبَلٍ     إذا كان في رده صحوي وسلواني
دلَّهتِه بعزيزٍ في مَحاجِره     ماضٍ ، له من مبين السحر جفنان
رمى فجعتْ على قلبي جوانحه     وفلن : سهمٌ ، فقال القلب : سهمان
يا صورة َ الحُورِ في جِلباب فانِيَة ٍ     وكوكب الصبحِ في أعطاف نسان
مُري عَصِيَّ الكرى يَغشَى مُجامَلَة ً     وسامِحي في عناق الطيفِ أَجفاني
فحسبُ خديْ من عينيَّ ما شربا     فمثل ما قد جرى لم تلق عينان

احمد شوقي - قالوا له: رُوحي فِداه

قالوا له: رُوحي فِداه     هذا التجنِّي ما مَداه؟
أَنا لم أَقُم بصدودِه     حتى يحملني نواه
تجري الأمور لغاية ٍ     إلا عذابي في هواه
سمَّيتُه بدرَ الدُّجى     ومن العجائِب لا أَراه
ودعوتُه غصنَ الرّيا     ضِ فلم أَجِدْ رَوْضاً حواه
وأَقولُ عنه: أَخو الغزا     لِ، ولا أَرى إلاَّ أَخاه
قال العواذلُ: قد جفا     ما بالُ قلبك ما جفاه ؟
أنا لو أطلعت القلبَ فيـ     ـه لم أزدْه على جواه
والنُّصحُ مُتَّهَمٌ وإن     نثرتهُ كالدرّ الشفاه
أُذُنُ الفتى في قلبه     حيناً ، وحيناً في نهاه

احمد شوقي - مقادير من جفينكِ حولنَ حاليا

مقادير من جفينكِ حولنَ حاليا     قذفت الهوى من بعد ما كنت خاليا
نفذْن عليَّ اللبَّ بالسهم مُرْسَلاً     وبالسِّحر مَقْضِيّاً، وبالسيف قاضيا
وأَلبَسْنَني ثوبَ الضَّنى فلبستُه     فأحبب به ثوباً وإن ضمّ باليا
وما الحبُّ إلا طاعة ٌ وتجاوزٌ     وإن أكثروا أوصافه والمعانيا
وما هو إلا العين بالعين تلتقي     وإن نوّعوا أَسبابَه والدَّواعيا
وعندي الهوى ، موصوفُه لا صفاتُه     إذا سألوني : ما الهوى ؟ قلت : ما بيا
وبي رَشأٌ قد كان دنيايَ حاضِراً     فغادرني أشتاقُ دنياي نائيا
سمحتُ برُوحي في هواه رخيصة ً     ومن يهو لا يؤثر على الحبِّ غاليا
ولم تَجْرِ أَلفاظُ الوشاة بريبة ٍ     كهذي التي يجري بها الدّمعُ واشِيا
أَقول لمن وَدَّعْتُ والركبُ سائرٌ:     برغم فؤادي سائرٌ واشيا
    برغم فؤادي سائرٌ بفواديا
أَماناً لقلبي من جفونِكِ في الهوى     كفى بالهوى كأْساً، وراحاً، وساقيا
ولا تجْعلِيه بين خدَّيْكِ والنوى     من الظلم أن يغدو لنارين ثاليا
ولم يَنْدملْ من طعنة القَدِّ جُرحُه     فرفقاً به من طعنة البيْن داميا

احمد شوقي - أَهلَ القُدودِ التي صالت عَوَاليها

أَهلَ القُدودِ التي صالت عَوَاليها     الله في مهجٍ طاحت غواليها
خُذْن الأَمانَ لها لو كان ينفعها     وارْدُدْنها كرَماً لو كان يُجديها
وانظرن ما فعلتْ أحداقكن بها     ما كان من عبثِ الأحدقِ بكيفها
تعرَّضت أَعينٌ مِنَّا، فعارَضَنا     على الجزيرة سرْبٌ من غَوَانيها
ما ثُرْن من كُنسٍ إلاَّ إلى كُنُسٍ     من الجوانح ضَمَّتْها حَوَانيها
عَنَّتْ لنا أُصُلاً، تُغْرِي بنا أَسَلاً     مهزوزة شكلاً ، مشروعة ً تيها
وارهفت أعيناً ضعفى حمائلها     نَشْوَى مَناصِلُها، كَحْلَى مَواضِيها
لنا الحبائلُ نُلْقِيها نَصِيدُ بها     ولم نَخَلْ ظَبَيَاتِ القاعِ تلْقيها
نصبنها لك من هدبٍ ومن حدقٍ     حتى انثنيت بنفسٍ عزَّ فاديها
من كلّ زهراءَ في إشراقها ضَحكَت     لَبّاتُها عن شبيه الدُّرِّ مِن فيها
شمي المحاسنِ يستبقى النهارُ بها     كأَن يُوشَعَ مفتونٌ يُجاريها
مَشت على الجسر رِيماً في تلفُّتها     للناظرين، وباناً في تَثَنِّيها
كان كلَّ غوانيه ضرائرها     عجباً ، وكل نواحيه مرائيها
عارضتها وضميري من محارمها     يَزْوَرُّ عن لحظاتي في مَساريها
أعفُّ من حليها عما يجاوره     ومن خلائلها عما يدانيها
قالت : لعل أديب النيلِ يحرجنا     فقلت: هل يُحرجُ الأَقمارَ رائيها
بيني وبينك أشعار هتفتُ بها     ما كنت أعلم أن الرِّيم يرويها
والقولُ إن عفّ أو ساءت مواقعه     صدى السريرة ِ والآدابِ يَحكِيها

احمد شوقي - أُداري العيونَ الفاتراتِ السَّواجيا

أُداري العيونَ الفاتراتِ السَّواجيا     وأَشكو إليها كَيْدَ إنسانِها لِيا
قتلنَ ومنين القتيلَ بألسُن     من السحر يبدلنَ المنايا أمانيا
صرحٌ على الوادي المباركِ ضاحي     متظاهرُ الأعلامِ والأوضاحِ
السحرُ من سُود العيونِ لقيُتهُ     والبابليُّ بلحظهنّ سُقِتُهُ
وكلَّمْنَ بالأَلحاظِ مَرْضَى كَليلة ً     فكانت صحاحاً في القلوب مواضيا
ضافي الجلالة كالعَتيق مُفَضّل     ساحات فضل في رِحابِ سَماحِ
    عدا فاستبدّ بعقل الصبيّ
وكأن رفرفه رواقٌ من ضحى ً     وكأن حائطه عمودُ صباحِ

الناعساتِ الموقظاتي للهوى
حببتك ذاتَ الخالِ ، والحبُّ حالة ٌ     إذا عرضت للمرءِ لم يدر ما هيا
الحقُّ خَلفَ جناحٍ استذرى به     ومَرَاشِدُ السلطانِ خلفَ جَناح
وإنك دنيا القلب مهما غدرته     أَتى لكِ مملوءاً من الوجْد وافيا

القاتلاتِ بعابثٍ في جفنه
صدودك فيه ليس يألوه جارحاً     ولفظُكِ لا ينفَكُّ للجرح آسِيا
ياسلاح العصر بُشِّرنا به     كلُّ عصر بِكَمِيٍّ وسلاح
ة َ؟ لقد لعبوا وهْيَ لم تَلْعَب     تجرِّبُ فيهم وما يعلمو
هو هيكلُ الحريّة ِ القاني، له     ما للهياكلِ من فِدًى وأَضاح
وكأَن أَحلامَ الكعاب بيوتُه     تحتَ النبالِ وصَوْبِها السَّحّاح
وبين الهوى والعذلِ للقلب موقفٌ     كخالك بينَ السيفِ وانار ثاويا
وأغنَّ أكحلَ من مَها بكفيّة     علقت محاجرُه دمي وعلقته
وبين المنى واليأس للصبر هزة ٌ     كخصركِ بين النهدِ والردفِ واهيا
يَنهارُ الاستبدادُ حولَ عراصِه     مثلَ انهيارِ الشِّركِ حولَ صَلاح
هو غرَّة ُ الأَيامِ فيه، وكلكم     مُتَحَطِّمَ الأَصنامِ والأَشباح
وعرّض بي قومي، يقولونَ: قد غوى     عدِمتُ عذولي فيكِ إن كنتُ غاويا
يَرومونَ سُلواناً لقلبي يُريحُهُ     ومن لِيَ بالسُّلْوانِ أَشريه غاليا؟
هو ما بَنَى الأعزال بالرَّاحات ، أو     هو ما بنى الشهداءُ بالأرواحُ
السلسبيلُ من الجداول وردُه     والآسُ من خضْرِ الخمائل قوتُه
أخذته مصر بكل يومٍ قاتمٍ     وَرْدِ الكواكب أَحمرِ الإصباح
وما العشق إلا لذة ٌ ثم شقوة ٌ     كما شقيَ المحمور بالسكر صاحيا
هبَّتْ سِماحاً بالحياة شبابها     والشيبُ بالأَرْمَاق غَيْرُ شحاح
ومشتْ إلى الخيل الدوَارع وانبرت     للظَّافر الشاكي بغير سلاحِ
فازور غضباناً وأعرض نافراً     حالٌ من الغيدِ الملاحِ عرفتُه
وَقَفاتُ حقٍّ لم تقفْها أُمّة ٌ     إلا انْثنتْ آمالُها بنجاح
هَزَّ الربيعِ مَنَاكِبَ الأَدواح     جعلوا المآتمَ حائطَ الأَفراحِ
    وأَبهى من الورد تحت الندى

بشرى إلى الوادي تهزُّ نَباته
تسري ملمَّحة الحجول على الرُّبى     وتسيل غُرَّتُها بكل بِطاح
قالت ترى نجمَ البيان بل     وتعرضُهم مَوكِباً موكِباً
التامتِ الأحزابُ بعدَ تَصَدُّع     لَبَّى أَذانَ الصُّلحِ أَوّلَ قائمٍ
حفظاً ولا طلبُ الجديد يفوته     وَمَشَى على الضّغْن الودادُ الماحي
وَجَرَتْ أحاديثُ العتابِ كأنها     سَمَرٌ على الأوتارِ والأقداح
إِنَّ هذا الفَتحَ لا عهدَ به     لضِفاف النيلِ من عهد فتاح
جميلٌ عليهم قشيبُ الثيا     سِ تَلَقَّى الحياة َ فلم يُنجِب
ترمي بِطرفِك في الجامِع لا ترى     غيرَ التعانُقِ واشتباكِ الراح

شمسَ النهارِ ، تعلَّمي الميزانَ من
ميلي انظُريه في النَّدِيِّ كأنّه     عثمانُ عن أُمِّ الكتابِ يُلاحي
كم تاجِ تضحية ٍ وتاج كرامة ٍ     للعين حولَ جبينه اللماح
    حقائبُ فيها الغدُ المُختَبي
والشيب منبثقٌ كنور الحقِّ من     فوديه ، أو فجرِ الهدى المِنصاحِ
    والصلحُ خُمس قواعِد لإصلاح
مَلكُ الهضابِ الشمِّ سلطانُ الرُّبى     هامُ السحاب عروشه وتُخوته
سبقَ الرجَالَ مُصافِحاً ومُعانِقاً     يمنى السّماح وهيكَلَ الإسجاح
عدلى الجليل ابن الجليل من الملا     والماجد ابن الماجد المِسماح
والأبلقُ الفردُ انتهت أوصافُه     في السُّؤدد العالي له ونُعوته
حلوُ السجيَّة في قناة ٍ مُرَّة ٍ     فمشى إليّ وليس أَوّل جؤذَرٍ
إذا رفَّ في فرعه الأَهْدب     أَهابت هِراوتُه بالرِّفا

نِ وما علِموا خَطَرَ المَرْكَب
شَتَّى فضائلَ في الرجال، كأَنها     شَتَّى سلاحٍ من قناً وصِفاح
فإذا هيَ اجتمعت لِمُلك جَبْهَة ً     كانت حصونَ مَناعة ٍ ونِطاح
الله أَلَّف للبلاد صدورَها     من كل داهية ٍ وكل صُراح
وكأن أيامَ الشباب ربوعُه     وكأن احلامَ الكعاب بيوتُه
وتكاد الطيرُ من خفَّته     تتعالى فيه من غير جَناح
وزراءُ مملكة ٍ، دَعائِمُ دولَة ٍ     أعلامُ مُؤتَمَرٍ ، أسودُ صَباحِ
يَبنون بالدستورِ حائطَ مُلْكِهم     لا بالصِّفاحِ ولا على الأَرْماحِ
وجَوَاهرُ التيجانِ ما لم تُتَّخَذْ     من مَعدِنِ الدستورِ غيرُ صِحاح
احتل حِصْنَ الحقّ غيرُ جنودِهِ     وتكالبت أَيْدٍ على المفتاحِ
هناك، وفي جُنْدِها الأَغلب     لبنانُ في ناديكمو عظمتُه
قد زاني إقبالكم وقبولُكم     شرفاً على الشرف الذي أوليته
القاتلاتِ بعابثٍ في جَفنه     واسْتوْحَشَتْ لِكُماتِها النُّزّاحِ
هُجرَت أرائكُهُ ، وعُطِّلَ عودُه     وخلا من الغادين والرُّوّاحِ
تاجُ النيابة في رفيع رءُوسكم     تؤلِّفهُم في ظِلال الرخا
لُبنانُ دارَتُه وفيه كِناسُه     كالغارِ من شرفٍ وسمتِ صلاح
قلْ للبنين مقالَ صدقٍ، واقْتَصِدْ     ذَرْعُ الشباب يضيق بالنَّصّاحِ

حنن أفلحنا على الأرض بكم
أنتم بنو اليوم العصيب، نشأتمو     في قَصْفِ أَنواءٍ، وعَصْف رياحِ
وشهدتمُ صَدْعَ الصفوفِ وما جَنَى     من أَمْر مُفْتاتٍ ونَهْي وَقاحِ
صوتُ الشعوب من الزئير مُجمَّعاً     فإذا تفَرَّقَ كان بعضَ نُباحِ
أَظْمَتْكُمُ الأَيامُ، ثم سقتكمُ     رنقاً من الإحسانِ غيرَ قراحِ
وإذا مُنِحْتَ الخيرَ من مُتَكَلِّفٍ     ظَهَرَتْ عليه سجيَّة ُ المناحِ
تركتمو مثلَ المَهيضِ جناحُه     لا في الحبال ، ولا طليق سَراحِ
مَنْ صَيَّرَ الأَغلالَ زَهْرَ قَلائدٍ     وكسا القيودَ محاسنَ الأَوضاح؟
إن التي تبغون، دون منالِها     طولُ اجتهادٍ ، واضطرادُ كِفاحِ
سروا إليها بالأناة طويلة     إن الأَناة َ سبيلُ كلِّ فلاح
وخذوا بناءَ المُلكِ عن دستوركم     إن الشِّراعَ مُثَقِّفُ الملاَّح
يا دارَ محمودٍ، سَلِمتِ، وبورِكت     أَركانُكِ الهرميَّة ُ الصُّفَّاح
وازددت من حسنِ الثناءِ وطيبه     حجراً هو الدُّرِّيُّ في الأَمداح
الأُمة ُ انتقلتْ إليك ، كأنمَا     أنزلتِها من بيتها بنجاح
بركاتُ شيخٍ بالصعيد مُحمَّل     عِبْءَ السنينَ مُؤمَّلٍ نفّاح
بالأمس جادَ على القضية ِ بابنه     واليومَ آواها بأَكْرَم ساح

احمد شوقي - نَحْلَة ً عَنَّتْ وطَنَّتْ في الرياح

نَحْلَة ً عَنَّتْ وطَنَّتْ في الرياح
واملأ رماحاً غورَها ونَجْدَها     وافتح أُصول النيل واستردَّها
    غمرة ً أودت بخوَّاض الغُمر؟
أين نابليون؟ ما غاراته؟     سلطانَها، وعزَّها، ورَغْدَها
    نم طويلاً ، قد تَوَسَّدْتَ الزَّهَر
راكبَ البحرِ ، مواجٌ ما ترى ؟     أم كتاب الدهرِ أم صُحفُ القدر؟
    قَلَمِ القُدرة ِ فيها ما سطِر
ههُنا تمشي الجواري مَرَحاً     واصرفْ إلينا جَزْرَها ومَدَّها
انظر الفلكَ : أمنها أثرٌ ؟     هكذا الدنيا إذا الموتُ حَضَر
فأَرسلتْ دُهاتَها ولُدَّها     ضاق عنك السعدُ ، أو ضاق العُمُر
لا تقولوا شاعر الوادي غَوَى     مَنْ يًغالطْ نفسهَ لا يعتبر
    بَيِّنٌ فيها سبيلُ المعتْذِر
كجياد السَّبْقِ ، لن تُغنيها     أدواتُ السبقِ ما تغنى الفِطَر
ضربتها وهْي سرٌ في الدُّجى     ليس دونَ اللهِ تحت الليلِ سرّ